حين تتحول الكرة من فرجة شعبية إلى سلعة محروسة

حين تتحول الكرة من فرجة شعبية إلى سلعة محروسة
بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

من المفترض أن تكون كرة القدم، بما تحمله من طاقة وجدانية هائلة، الخزان الحقيقي للشغف الشعبي، وفضاءً رحباً لتفجير المواهب القادمة من الأزقة الضيقة والأحياء الهامشية. فالتاريخ الكروي لم يُصنع في قاعات الفنادق ولا على موائد المسؤولين، بل وُلد في الأزقة الترابية، وفي ملاعب الأحياء الشعبية التي كانت أشبه بجامعات مفتوحة للشغف والإبداع، حيث يصنع الطفل هويته الجماعية، ويكتشف معنى الانتماء واللعب الحر.

لكن ما نشهده اليوم يشي بانقلاب كامل على هذه الروح الأصلية. فبدل أن تُفتح الملاعب لتكون امتداداً للحياة اليومية، أُغلقت في وجوه الناس، وأحيلت كرة القدم إلى سلعة محروسة بالبوابات الحديدية، وبالحواجز الاقتصادية والاجتماعية. صار الدخول إلى الملعب امتيازاً لمن يملك ثمن التذكرة، لا حقاً مواطناً متاحاً للجميع، وباتت اللعبة، التي طالما منحت الفقراء وسيلةً للفرح والانتصار الرمزي، مقيدة بترسانة من المنع والمراقبة، وكأنها حقل أمني أكثر منها حدث رياضي.

إن التحول الذي أصاب كرة القدم في المغرب ليس معزولاً عن ديناميات أوسع، فهو جزء من سيرورة عالمية حولت اللعبة إلى صناعة، وجعلت الأندية أشبه بشركات تجارية عابرة للحدود، لكن المفارقة المغربية تكمن في أننا استوردنا من هذه الصناعة أسوأ عناصرها: الغلاء، الاحتكار، وتضييق فضاءات الجمهور، فيما غابت عنا أسس التنظيم المحكم والشفافية والاحترام الحقيقي للمشجع.

لقد أُفرغ الملعب من طابعه الشعبي، وأُدخلت الجماهير في قوالب ضيقة: من يدفع يجد مقعداً، ومن لا يملك يُقصى، ومن يجرؤ على رفع صوته يُحاصر بالأسلاك الشائكة وعيون الكاميرات.
ولم يعد المستطيل الأخضر مساحة لالتقاء الشعب، بل صار مسرحاً للتوتر بين جمهور يطالب بحقه في الانتماء، ومؤسسات ترى فيه خطراً محتملاً يجب تدجينه.

هنا يطرح السؤال الجوهري: ما معنى كرة القدم إذا لم تكن ملكاً للشعب؟ أليست المرآة التي تنعكس فيها أحلام الفقراء قبل الأثرياء؟ أليست اللغة الكونية التي جعلت طفلاً من حي شعبي يصبح بطلاً عالمياً يرفع راية بلاده في المحافل الدولية؟ إذا كان الملعب لا يستوعب هذه الطاقات، فإننا نخسر أكثر من لعبة، نخسر مشروعاً مجتمعيّاً متكاملاً يبني القيم ويعزز اللحمة الوطنية.

ثم إن الاهتمام بالمواهب في الأحياء الشعبية ليس رفاهية، بل استثمار استراتيجي في المجتمع. كثير من اللاعبين الكبار بدأوا في ملاعب صغيرة، بدون مقاعد رسمية ولا حراس أمن، حيث تعلَّموا الصبر والانضباط وروح الفريق، قبل أن يكتشفهم العالم. لكن عندما نحاصر هذه الملاعب بالحواجز المادية والإدارية، نخلق عائقاً أمام الأجيال القادمة، ونرسل رسالة ضمنية تقول: “كرة القدم ليست للجميع، احجز مكانك أو اخرج”.

ولا يمكن تجاهل التأثير النفسي والاجتماعي لهذا الإقصاء، فحين يُحرم الطفل من اللعب في ملعب حيّه، يُفقد جزءاً من إحساسه بالانتماء، ويُزرع في ذهنه الشعور بالاستبعاد.
هذا لا يقتصر أثره على الرياضة فحسب، بل يمتد إلى جوانب أخرى من حياته: التفاعل الاجتماعي، الانضباط، وحتى الثقة بالنفس. فالملاعب الشعبية كانت تقليدياً مختبراً اجتماعياً، مدرسة للحياة قبل أن تكون ملعباً للعبة.

لكن الواقع اليوم يظهر تسييساً وإدارياً صارماً لكل تفصيل، فأصبح الأمن يتجاوز مهمته الأساسية في الحماية، ليصبح منظماً للفرجة، متحكماً في الشعور الشعبي، ومراقباً للحرية الرمزية التي تحملها الكرة. كذلك، تُستثمر الفعالية الإعلامية والمالية على حساب البعد المجتمعي، فتظهر الصورة الكبرى للعبة وكأنها مجرد صناعة تجارية مربحة، أكثر من كونها حدثاً رياضياً وثقافياً للشعب.

إن الحل لا يمر عبر مقاربات أمنية أو مالية فحسب، بل عبر استعادة الروح الشعبية للعبة، وكذلك وجوب فتح الملاعب أمام الأطفال والشباب دون عائق، وتمكين الأحياء من الاحتفاظ بمساحاتها الكروية، ودعم الجمعيات المحلية، وتشجيع المبادرات التي تحاكي تجربة المواهب الشعبية. الكرة حين تصبح ملكاً للجميع، تتحول إلى قوة توحد المجتمع وتبني القيم، بدل أن تكون جداراً يفصل الأغنياء عن الفقراء، والمشهد الرمزي عن الواقع الاجتماعي.

كما أن المجتمع المدني والإعلام لهما دور كبير في إعادة الوعي بهذا الشغف. لا بد من إبراز قصص النجاح القادمة من الأزقة، وتقديمها كنماذج، بدل أن نكتفي بالصور الفاخرة للأندية الكبيرة، حين نعيد الكرة إلى أصولها الشعبية، نعيد معها الطموح، ونصنع علاقة حقيقية بين المجتمع ولعبة لطالما كانت امتداداً له.

في النهاية، كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي تجربة اجتماعية وثقافية وسياسية في آن واحد. إنها مرآة المجتمع، ومقياس قدرته على دمج مواهبه، ومنح الجميع حقهم في المشاركة، عندما تتحول إلى سلعة محروسة، نكون قد فقدنا أكثر من مباراة؛ نكون قد فقدنا روحنا الجماعية، وقدرة الأحياء على صناعة أحلام أبنائها.

على المغرب أن يقرر: هل نريد كرة القدم ملكاً للشعب، أم نريدها مجرد سلعة فاخرة؟ الخيار سيحدد مستقبل اللعبة، ومصير الشغف الشعبي، وهو خيار يترجم أيضاً مدى احترامنا لأبسط حقوق المواطن: أن يلعب ويعيش، وأن يحلم دون قيود حواجز وأسوار.

One thought on “حين تتحول الكرة من فرجة شعبية إلى سلعة محروسة

  1. فعندما.يتحول.الملعب.الى.فوضى.والى.شجار.ببن.الافراد.نكون.قد.ففدنا.مايسمى.بالروح.الرياضية.هناك.من.له.مع.كامل.الاسف.افكارا.سلبية.عندما.يشاهد.المباراة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *