حنظلة الذي كبر… واختطفته إسرائيل

حنظلة الذي كبر… واختطفته إسرائيل
سعيد حفيظي

 

في لحظة من لحظات الزمن العربي المتعفّن، حيث تذوي القيم كما تذوي أوراق الخريف في رياح الانكسار، خرج محمد البقالي من ثقل اليوميّ ورتابة الشاشات، ومضى، لا على صهوة ضوء ولا في عتمة هروب، بل واقفاً عند حافّة الإيمان بمهنة صارت عبئاً على أصحابها، لا وساماً على جبين التاريخ.
لم يكن صعوده إلى سفينة “حنظلة” يوم السبت 26 يوليوز 2025 مجرّد حركة رمزية، ولا محاولة للالتحاق بمركب البطولة الزائف، بل كان فعلاً حراً، نابعاً من تلك الطينة الإنسانية الأولى التي لا تتبدد أمام سطوة الخوف، ولا تذوب في ملح الحسابات. كان يمشي إلى المجهول، لا ليصنع مجده، بل ليختبر المعنى الذي انفلت من بين أيدي كثير من الصحافيين وهم يركعون تحت أقدام المكاتب المكيفة.
لقد اختطفته إسرائيل، نعم. لكنّها، ويا لسخرية الاحتلال، لم تختطف منه لحظة كرامته، ولا بترت عنه وشائج انتمائه. لأنه، ببساطة، لم يكن يحمل في جيبه شيئاً سوى الحقيقة، ولم يكن يعلّق على كتفيه غير صليب الواجب. صحافي جاء من أقصى المدن المغربية، محمّلاً بهمّ المهنة في أزهر حالاتها، لا مسافراً في مركب التسوّل الإعلامي، ولا سائحاً في جغرافيا الألم الفلسطيني.

لا أكتب عن البقالي كما يكتب أصدقاء الغياب عن أصدقائهم، ولا كمن يفرغ ذاته من وجع الذكرى كي يرتاح، بل أكتبه لأنني أرى فيه سؤالاً مؤجّلاً عن جدوى الصحافة حين تتحوّل إلى سلطة مضادة للسلطات. أكتبه لأنني كلما حاولت أن أقرأ واقعة اختطافه، وجدتها تشرح لنا خريطة الخوف الإسرائيلي: الكيان الذي يرتعب من كاميرا يحملها رجل أعزل، هو كيان يدرك جيداً أن صورته أضعف من طلقاته، وأن عدالة قضيته المثقوبة لا تصمد أمام عدسة يقظة.
محمد لم يكن يلعب دور البطل، لأن البطولة في عرفه ليست سلعة، بل ابتلاء. ولم يكن يلهث خلف كاميرات العالم كي يسطّر ملحمة من وهم، بل انحاز، كعادته، إلى المعنى النقيّ للصحافة: أن تكون شاهداً، لا نجم استوديو. أن تروي، لا أن تُروى.
وحين قرر أن يعود إلى غزة، لم يكن مدفوعاً بحنين ساذج، ولا برغبة في استعادة ملحمة قديمة، بل بدافع تلك “العدالة البدائية” التي لا يُولد بها إلا الصحافيون الذين لم تفسدهم المصالح، ولم تُروّضهم الدورات التكوينية. لقد كان على متن أسطول الحرية قبل عقد من الزمان، وكان يمكنه أن يكتفي بتلك التجربة كي يُنقش اسمه في دفاتر الشجاعة، لكنه لم يفعل، لأن حنظلة داخله لم يكبر.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: البقالي ليس فقط ذلك الصحافي الذي يُتقن تغطية الثورات والحروب كما يُتقن التنظير الأكاديمي في كتابه المرجعي حول “المهنية والإيديولوجيا”، بل هو أيضاً ذاك الكائن الرمزي الذي يمدّ جسده لامتحان أفكاره، فلا يبقى مجرد منظّر، بل شاهد في الميدان. وهو إذ يفعل، فإنه يعيد للمهنة قدسيتها المفقودة، ويربك السائد الإعلامي الذي جعل من الحياد جبناً، ومن الموقف عيباً.
سيمرّ وقت طويل قبل أن ندرك نحن، المتروكين على أرصفة الأخبار المستهلكة، أن ما قام به محمد ليس عملاً فردياً، بل صفعة حقيقية لضمير جماعي نام طويلاً. سيمرّ وقت أطول قبل أن نكتشف أن الصحافيين الحقيقيين لا يُصنعون في الورشات، بل في لحظات الاختبار القصوى، حين يُختزل كل شيء في سؤال واحد: هل ستنحاز للحقيقة، ولو جردك ذلك من كل دروعك؟
في هذه اللحظة، البقالي في قبضة الاحتلال، هناك حيث يُنتزع الإنسان من ذاته، ويُفرّغ من كينونته، وتُسحق تفاصيله الصغيرة. لكنّه، في قلب هذا الجحيم، لا يزال يحمل في داخله ملامح حنظلة: ذاك الطفل الفلسطيني الذي أدبر بظهره ليقول كل شيء، دون أن ينطق بشيء.
حنظلة لم يكبر، كما لم تكبر فلسطين. ومحمد، لأنه يشبه هذا الكائن المدهش في عناده، بقي وفياً للموقف، لا للفرصة. للصمت الشريف، لا لضجيج النجومية.
حنظلتنا الذي كبر… ولا يزال.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *