حفيد المقاومة يحمل القلم في زمن المتاعب
أنا بوشعيب نجار، صحفي مهني بموقع مجلة 24، أحمل قلمي كما يحمل الجندي سلاحه في ساحة الوغى. رسالتي واضحة: الدفاع عن وطني وملكي، لا بحثا عن البوز، ولا سعياً وراء مصلحة شخصية أو تصفية حسابات ضيقة. أكتب من زاوية مختلفة، زاوية النقد البناء، وإعلاء الحق، واحترام كرامة الآخرين.
مهنة الصحافة ليست ترفا، بل هي مهنة المتاعب بامتياز. نواجه التضييق، ونُحاصر بالشكايات الكيدية، وتلاحقنا الألسن والأعين، فقط لأننا نمارس حقنا في الكتابة الحرة. صحيح أنني عشت مرارة الاستهداف في حياتي الخاصة، لكنني أؤمن أن الصحفي لا يخاف إذا كان الحق زاده، والعدالة درعه.
لكن قلمي ليس امتدادا لشخصي وحدي؛ إنه ميراث أجدادي الذين رووا بدمائهم شجرة الحرية. فأنا حفيد رجال المقاومة بإقليم سطات، أحمل في عروقي حليب النضال. جدي”المعلم مسعود “كان اسمه يرتجف منه المستعمر الفرنسي بولاد سعيد بضبط دوار” السلامات”. كان أحد قادة خلية المقاومة المعروفة آنذاك باسم “المشعل”، يواجهون العدو بأسلحتهم البسيطة، ويؤمنون أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح. عُذبوا في السجون، صمدوا في المعارك، ونقشوا أسماءهم في ذاكرة أولاد سعيد والجديدة وكل ربوع الشاوية.
أبي أيضا لم يكن بعيدا عن هذا الطريق. كان شابا يافعا في كريان سنطرال بالدار البيضاء، يوزع المناشير رفقة الوطنيين الأحرار، مطالبا بعودة الملك الراحل محمد الخامس من منفاه. كان شاهدا ومشاركا في لحظة تاريخية صنعت ثورة الملك والشعب، تلك الثورة التي وحّدت المغاربة ضد المستعمر.
اليوم، وأنا أمارس الصحافة، أشعر أنني أواصل وصيتهم. الفرق أن المعركة تغيرت: لم نعد نواجه المستعمر بالسلاح، بل نواجه أعطاب الداخل بالكلمة. لم نعد نُطارد في الجبال، لكننا نُطارد في ساحات المحاكم. لم نعد نُعذب في الزنازن الفرنسية، لكننا نُرهب بأساليب أخرى أكثر قسوة على الروح.
أكتب هذا المقال لأقول: انهضوا يا أجدادي، حفيدكم ما زال واقفا. قد تغيرت الجبهات، لكن النضال واحد، والحق لا يموت. التاريخ طُمست معالمه، ورجال المقاومة كُتمت أسماؤهم، لكننا لن نسمح أن يُمحى أثرهم من ذاكرة الوطن.
إن القلم اليوم هو امتداد للبندقية بالأمس. وتماماً كما قاوم جدي وأبي من أجل عودة الملك، أقاوم اليوم لأجل الكرامة والعدالة وحرية الكلمة. قد يكون المستقبل غامضاً لمهنتنا، وقد يرحل الصحفيون واحداً تلو الآخر بين القضبان أو الأمراض الفتاكة، لكن يبقى الأمل قائماً: أن تصل رسائلنا، وأن تثمر تضحياتنا.
هذا وطني، وهذه هويتي، وهذه وصيتي.

