جيل “قيلش”… بين شهادات جامعية مأجورة ومؤسسات مشلولة… من المسؤول؟
في زمن تتزايد فيه التساؤلات حول جودة التعليم العالي ومخرجاته، يطفو على السطح مصطلح ساخر أصبح يُتداول بكثرة في النقاشات العمومية: “جيل قيلش”. ليس توصيفًا بيولوجيًا ولا اجتماعيًا، بل هو انعكاس ساخر لوضع جامعي متأزم، نتج عن تراكمات بدأت منذ أوائل الألفية الجديدة.
ففي سنة 2004، انطلقت سياسات مفصلية غيّرت معالم الإدارة والتعليم في المغرب: المغادرة الطوعية، تفكيك الإدارة العمومية، التمركز السياسي الجهوي، وهجرة الأدمغة… كلها كانت محاور خطة إصلاحية، لكنها أفرزت واقعًا آخر: شهادات جامعية تملأ الفراغات المؤسساتية، لكن بدون مضمون معرفي رصين.
إن فتح أبواب الماستر والدكتوراه، وفق منطق “الأداء مقابل الولوج”، كان خطوة شكلت منعطفًا خطيرًا في مسار التعليم العالي. فقد تحوّل الحرم الجامعي، في نظر البعض، إلى سوق تتقاطع فيه مصالح بعض الأساتذة والطامحين للترقي الإداري، بعيدًا عن ضوابط الكفاءة والبحث الأكاديمي الحقيقي.
أزمة التكوين لا تنتهي هنا، بل تمتد إلى منظومة التعليم برمتها، حيث يفتقر التعليم الابتدائي إلى بيئة تربوية داعمة، في ظل عمل المعلمين خارج المؤسسات العمومية، سعيًا وراء تحسين ظروفهم الاجتماعية في غياب سياسات أجور عادلة. فصار التلميذ رهين تعليم رسمي رتيب، ودروس خصوصية مُكلفة تنهك جيوب الأسر.
في المقابل، أصبحت الرقمنة الإدارية شماعة لتعطيل الكفاءات الحقيقية. فملفات التوظيف والترقيات، اليوم، تُعالج آلياً، دون الاعتبار للتكوين أو التجربة أو الأداء المهني، مما يفتح الباب للتلاعبات ويُغري الفاعلين باقتناص الفرص على حساب الجودة والاستحقاق.
أما النقابات التعليمية، فتُتهم بـالتواطؤ أو الصمت المزمن، فيما يظل السياسيون خارج التغطية، يلهثون خلف توافقات حزبية لا تُعير لمستقبل التعليم أي اعتبار. في هذه الفوضى المنظمة، ضاع التلميذ وضاعت الدولة معًا، وازدهرت مصالح فئة معينة على حساب المصلحة العامة.
جيل “قيلش” ليس جريمة فردية، بل هو نتاج سياسات عمومية متراخية وتدبير جامعي فاقد للبوصلة. كثيرون من حامليالشهادات اليوم حسب المقال يوجدون في مواقع المسؤولية داخل الإدارات والجماعات والبرلمان والمؤسسات العمومية، لكن الأداء العام يُظهر غيابًا صارخًا للكفاءة والمردودية، ويؤشر على تردّي مؤسسي ينذر بالخطر.
في عالم يفرض العلم والكفاءة والتقنية كأدوات للسيادة، لا مكان للمحاباة أو الارتجال. وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فإن الباب سيفتح على مصراعيه لهجرة الكفاءات الأجنبية لسد الثغرات التي خلفها “التكوين العشوائي” .
ومقابل هذا المشهد القاتم، يبقى المجتمع العسكري حسب نفس الرؤية محافظًا على هيبته ونظامه وتكويناته العالية، باعتباره مؤسسة لا تخضع لنفس منطق التسيير المرتجل، بل لضبط صارم يجعلها محصّنة ضد “كرب التعليم المدني”.
هي صرخة من الداخل، تنبه إلى واقع تعليمي هش، وتدق ناقوس خطر، مفاده أن لا مستقبل لدولة لا تحصّن تعليمها من العبث ولا تؤسس لجامعة تبني الإنسان، لا تُقايضه بالمال أو التزكية.

