ثقافة الولوج إلى الحقوق وتوتر العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي
لقد تغيرت طبيعة العلاقة بين المواطن والإدارة في المغرب بشكل لافت خلال العقدين الأخيرين، ولم يعد المرفق العمومي هو المتحكم الوحيد في مسار الخدمات، بل أصبح المواطن نفسه فاعلاً جديداً يطالب، يُحاسب، ويُراقب، مستنداً إلى ما يمكن تسميته بـ”ثقافة الولوج إلى الحقوق” التي بدأت تتشكل تدريجياً في الوعي الجماعي.
في السابق، كان المواطن يتعامل مع الإدارة بمنطق “الامتياز”، حيث تُمنح الخدمات وكأنها هبة أو مكرمة، أما اليوم، فقد أصبح هذا المواطن يطالب بـ”الحق” وليس بـ”المنة”، وهو ما ولّد توتراً جديداً في العلاقة مع المرفق العمومي الذي لم يساير هذا التحول الثقافي، لا على مستوى الخطاب ولا على مستوى الممارسة.
إن ثقافة الولوج إلى الحقوق لم تعد تقتصر على النخب أو على الفئات المتعلمة، بل بدأت تنتشر أفقياً في المجتمع، بفعل الإعلام، ووسائل التواصل، والبرامج الاجتماعية، والتراكمات الدستورية والقانونية، خاصة منذ دستور 2011 الذي رسّخ عدداً من الحقوق الأساسية، وربط الخدمة العمومية بمبادئ الشفافية، والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن هذا الوعي الحقوقي الجديد، بدل أن يقابله تأهيل شامل للإدارة، ولّد صداماً صامتاً داخل المرافق: من جهة، مواطن يعتبر أن الحصول على الخدمة هو تعبير عن كرامته، ومن جهة أخرى، مرفق عمومي لم يُعد نفسه بعد للتعامل مع “الزبون المواطن” كمحاور لا كطالب.
وهذا الصدام لا يظهر فقط في لحظات التعطيل أو سوء المعاملة، بل حتى في تفاصيل يومية صغيرة: في تأخر الوثائق، في انعدام المعلومة، في الردود الباردة، أو في الإجراءات غير المبررة.
هنا يشعر المواطن أنه يُعامل بنوع من الاستخفاف، في حين أنه يعتبر نفسه شريكاً كاملاً في العقد الاجتماعي.
إن مفهوم “ثقافة الولوج” يتجاوز مجرد الوصول إلى الخدمة، ليُحيل على علاقة جديدة بالمؤسسات: علاقة قائمة على المعرفة، وعلى المطالبة، وعلى القدرة على المحاسبة، لكن هذه الثقافة، لكي تكون فعّالة، تحتاج إلى منظومة إدارية تعترف أولاً بحقوق المواطن، وتُهيّئ موظفيها لذلك، وتُعيد صياغة علاقتها بالمجتمع على أساس من الثقة المتبادلة، لا على أساس الشك البنيوي.
ولعل الإشكال الأساسي يكمن في أن عدداً من المرافق العمومية لا تزال تُدار بمنطق التحكُّم لا الخدمة، وبعقلية الإجراءات لا النتائج، ما يجعل المرفق يبدو في عين المواطن وكأنه جزء من العرقلة وليس من الحل، وكأن الإدارة تمارس سلطتها لا دورها.
ومن هذا المنطلق، فإن التوتر القائم لا يعود فقط إلى نقص الموارد أو هشاشة البنيات، بل إلى غياب الانسجام بين تطور الثقافة الحقوقية داخل المجتمع، وبطء استجابة الإدارة لهذا التحول، أي أننا أمام فجوة سوسيولوجية حقيقية: مواطن تطور بسرعة، ومرفق لم يخرج بعد من منطق ما قبل الإصلاح.
إن حل هذا الإشكال لا يكمن فقط في رقمنة المساطر أو تبسيط الإجراءات، وإن كانت ضرورية، بل في تأصيل ثقافة جديدة داخل الإدارة ذاتها: ثقافة تحترم المواطن، وتراه كذات حقوقية لا كرقم تسلسلي.
وهذا يتطلب إصلاحاً مزدوجاً: إصلاحاً قانونياً يجعل ولوج الحقوق فعلياً، وإصلاحاً تربوياً يزرع في عقل الموظف العمومي فلسفة الخدمة لا منطق الامتياز.
وبالنتيجة، فإن التوتر بين المواطن والمرفق العمومي لا يجب أن يُفهم كمشكل عابر، بل كعرض لأزمة عميقة في هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإذا لم تُبادر السياسات العمومية إلى ردم هذه الهوة، فإن الإحباط سيتحول إلى لا ثقة، والاحتجاجات الفردية قد تنقلب إلى رفض جماعي للمؤسسات.
فلا يمكن لدولة تطمح إلى تكريس “الدولة الاجتماعية” أن تبني ذلك على إدارة تقليدية لا تعترف بثقافة الحقوق. كما لا يمكن للبرامج التنموية أن تنجح إذا كانت تُنفذ بأدوات بيروقراطية بالية، تُنكر على المواطن حقه في المعاملة العادلة، والولوج السلس، والاستماع الفعلي.
في الختام، إننا بحاجة اليوم إلى إعلان ثقافي وإداري جديد: ثقافة الولوج إلى الحقوق ليست عبئاً على الدولة، بل هي طريقها الوحيد نحو تثبيت مشروعها الاجتماعي، وهي مرآة حقيقية لنجاعة المرفق العمومي، أما التوتر، فيجب أن يُستثمر لا يُخشى، لأنه قد يكون بوابة الإصلاح الأعمق إذا ما أُصغي له بعقل دولة تؤمن بمواطنيها.

