ترتيبات المرحلة والحروب و حل أزمة النظام العالمي

ترتيبات المرحلة والحروب و حل أزمة النظام العالمي
نزار القريشي

إنَّ الأعمال الحثيثة لروسيا و الصين و كوريا الشمالية و إيران، الرامية لقلب النظام العالمي، وهذه الحروب الجارية على الساحة الأوكرانية و الشرق الأوسط، والتطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي، هو ما سيتحدد معه مصير المنطقة العربية، ونجاح أو فشل تثبيت خرائط ” برنار لويس” المُعَدَّة سابقا للمنطقة، والمرتبطة كجزء من أجزاء صورة الخريطة الجيوسياسية التي تنتظر العالم.
غَيْرَ أنَّ الصراع الذي تجذر بين ” الكريملين” و “البنتاغون”، بعدما تبيّن عدم خوف الرئيس الروسي ” فلاديمير بوتن” من الغرب، وهذه المحاولات الجارية بين إم أي 6 و سي أي إيه ، لفهم وتحليل نوايا الصين.
إلى ذلك، هذا. ما دفع بمجتمع الاستخبارات في الغرب، إلى تقسيم وتوزيع جديد للمهام و الأدوار التي يضطلع بها لضبط الصين و روسيا و إيران و الشرق الأوسط ومنطقة شرق و جنوب آسيا مرورا لشمال وعمق القارة الأفريقية، و هو ما أكده ترتيب ” قصر الإليزيه” لزيارة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” للمملكة المغربية، قبل زمن سابق من الآن، و هو أيضا ما تجلى والتفاصيل التي تخللت الخطاب التاريخي للرئيس الفرنسي أمام مجلس النواب المغربي” البرلمان”،الشيء الذي أكد على رغبة الفرنسيين في إعادة حساباتهم للمرحلة خدمة للمراحل المقبلة، وذلك للانطلاق نحو العمق الأفريقي من جديد، والذي لن يتأتى لهم إلاَّ عبر العلاقات الجيّدة و المثمرة مع المملكة المغربية. في ظل تمّكن الاستخبارات العسكرية المغربية عبر مكتب ” الدراسات و المستندات” الذي يرأسه “ياسين المنصوري” من المسك بخيوط الأزمة في منطقة الصحراء الكبرى و الساحل، فتراجع حزب الرئيس الفرنسي أمام بُعد الأهداف، هو ما سيخدم معه المرحلة لصالح” الرباط” ومعها مصالح الإقليم و منطقة الصحراء و الساحل، بعد المبادرة الأطلسية التي أطلقها العاهل المغربي” محمد السادس”، وهو ما قد يمنح لفرنسا مساحة تحرك جديدة في غرب أفريقيا للانطلاق نحو عمقها من جديد، أمام تزايد تهديدات و مخاطر الإرهاب المحتمل والعابر للقارات، وهو ما تتقاطع أيضا الرؤية بشأنه بين واشنطن و باريس و كثرة المصالح الاقتصادية التي تتأتى لهما من المنطقة الأفريقية لما تزخر به من موارد طبيعية ومجالات استثمار لا حصر لها.
لذلك، يؤشر تطور الوضع بإقليم الغرب الأفريقي، و العلاقات التاريخية والمُتَجَذّرة التي تربط التاج البريطاني، ب “القصر المغربي”، إلى احتمال اعتراف المزيد من الحكومات بالسيادة المغربية الكاملة على جل الأقاليم الصحراوية المغربية، وهو ما يؤهل نقل قيادة “أفريكوم”، من ثكنات كيلي في “شتوتغارت مورينجين” بألمانيا إلى المملكة المغربية، إذ سيساعد ذلك “أفريكوم” في سرعة تحريك و نقل المعدات و اللوجستيك بالقارة وغرب المتوسط وجبل طارق.إلى ذلك، إن إعادة تقسيم المهام بين “أفريكوم” و”أوكوم” و “سنتكوم” والدعم المهم و الحيوي الذي تتلقاه القيادات الأمريكية الثلاث من مركز ” جي. إس. كيو” عبر البريطانيين بجبل طارق، سيساهم في درء المخاطر وضبطها من غرب المتوسط إلى شرقه حيث قاعدة ” ألكسندروبوليس” اليونانية على بعد حوالي 40كيلومترا على الحدود التركية ، مرورا لشرق آسيا و بحر البلطيق وجزر الكوريل.

وهو ما تؤكده التفاهمات الأخيرة ، التي أقدم عليها البيت الأبيض مع الرئيس التركي، للتراجع عن أي مقاربة محتملة بين أنقرة و طهران أو الصين ، وهو ما حاولت الصين إحداثه سابقا، عبر مقاربة بين الرياض و طهران. وهو من جهة أخرى، ما اتضح ، بعد ما تطور الأمر بشأنه سابقا في منطقة الصحراء الكبرى و الساحل والسودان و القرن الأفريقي.
مما جعل روسيا عبر “الفيلق الروسي” فاغنر سابقا، تقترب من مجالات النفوذ الفرنسي و الأمريكي أكثر باختراق المنطقة الأفريقية، وهو ما يدفع ب مكتب ” نيكولا ليرنر” مدير المخابرات الخارجية الفرنسية بتكرار العمل على خلط أوراق المنطقة، لاستعادة الدور الفرنسي ، لذلك. فإن ارتباط المغرب الكبير بمحيطه الشرق أوسطي، هو ما استدعى المنطقة العربية إلى إعادة ترتيب أوراق المرحلة، إذ ترى “الرياض”، تأجيل الحسم في هذه الأوراق، وهو ما ينم عنه الغموض الإستراتيجي الذي يمارسه الأمير محمد بن سلمان في ما بين العلاقة المحتملة ب “البريكس” و انخراطه المحتمل في ” اتفاقات أبراهام ” للسلام مع إسرائيل.
وهو ما تريد “الرياض” تأجيله إلى حين وصول تطورات الإقليم إلى سقف أعلى ، وللتحسين من إمكانيات شروط تفاوضها مع الأطراف الدولية، فيما ترى القاهرة ضرورة في استعجالها، وهو تكتيك عربي من تكتيكات المرحلة تشترك فيه أبوظبي و عمان عبر تقاسم الأدوار مع المجموعة العربية ، بعد تسريبات بشأن تدبير و إشراف “محمد دحلان”، بتنسيق مع مجلس الأمن القومي الروسي على خارطة طريق تخص مستقبل الشرق الأوسط، حسب رؤية انخرط فيها “الكريملين” ، بكل ثقله انطلاقا من طرطوس و اللاذقية بالأراضي السورية سابقا، وهو ما أعاد استخبارات البنتاغون”دي أي إي” لإعادة تموضعها بالشرق الأوسط على وجه السرعة عبر التنسيق مع إسرائيل، في ضرب إيران، و الضغط من جهة أخرى على سوريا لإنهاء الوجود الإيراني بها، وهو ما يترتب عليه خروج الحرس الثوري من جنوب لبنان و غزة و العراق واليمن دون عودة . خصوصا في ظل عدم حصول اختراق في المحادثات السرية بين طهران و واشنطن ، و التي تجري بينهما بجنيف لإنهاء البرنامج النووي و الصاروخي الإيراني. غير أن ترتيبات ” دي أي إي ” و وزارة الجيوش الفرنسية تتقاطع مع رؤية جهاز الاستخبارت العسكرية البريطانية إم أي 6، حول نقل الحرب على المدى القريب أو المتوسط لحدود الصين، بعد إنهاء الوضع بالشرق الأوسط أو أوكرانيا.

وذلك كدرء استباقي لتنامي الخطر الصيني الذي يهدد الهيمنة الأمريكية على العالم، وهو ما يرى معه البريطانيين ضرورة قفل البحر الهادئ انطلاقا من القارة الأسترالية فاليابان امتدادا عبر الخطوط البحرية إلى شبه القارة الهندية، وهو هدف يخدم البُعد الجيو بولتيك للبحار، وهو ما يليه محاولة الغرب الحثيثة للنهوض بالتقنية الهندية و الألمانية من جديد بعد تراجعها لدعم وضع برلين في مواجهة روسيا على حدود كلنجراد. غير أن الوضع بالشرق الأوسط قد يتقلص زمن حسمه و التطورات المحتملة ذات الصلة بالقرن الأفريقي، وباب المندب وخليج عدن إلى جزيرة سقطرى. فتعقيدات المنطقة العربية وشرق آسيا هو ما تسعى حاليا كل من واشنطن و لندن لفهمه أكثر قبل الإقدام على أي خطوة في انتظار حسم الموقف مع الصين .
وهو أيضا ما يشد معه الأنظار حول مستقبل بقاء النظام العالمي من عدمه ، و بين ذاك و ذاك، تحاول الدول المتوسطة و الصغرى محاولة ممارسة ألعاب الكبار، في لحظة هذا الفراغ الدولي، لكن بصعوبة كبيرة ومخاطر أكبر، وهو ما يشكل معه انقساما بين الأطراف المتصارعة حول المصالح لبلوغ الأهداف، و في ذلك يتنافس الكل، وهو ما يزيد من الضبابية حول رؤية ملامح صورة الخرائط الجيوسياسية الجديدة، التي تنتظر العالم. وإلى أن تتضح الرؤية، يبقى العالم مشدودا داخل قاعة انتظار كبيرة لمعرفة مآلات مستقبل العالم ، على ضوء القرارات التي قد تصدر من “البنتاغون” و “إم أي 6″ و اللجنة الثلاثية” و وزارة الجيوش الفرنسية.

نزار القريشي
صحافي مغربي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *