تحولات المغرب المعاصر: إصلاحات متواصلة وتحديات بناء الدولة الاجتماعية
بقلم : محمد دلوادي
يشهد المغرب، منذ مطلع الألفية الثالثة، مساراً متدرجاً من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تداخلت فيه ديناميات الإصلاح الداخلي مع إكراهات السياق الدولي المتغير. فقد تغير المشهد السياسي والنقابي بشكل ملحوظ، وبرزت شخصيات جديدة قادمة من عوالم الإدارة والمال والأعمال، ما أعاد تشكيل موازين التأثير داخل الحقل العمومي، وأفرز نمطا مختلفا من تدبير الشأن العام.
شكلت مرحلة التناوب التوافقي محطة مفصلية في التاريخ السياسي المعاصر، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، وبدعم من شخصيات سياسية وازنة من بينها عبد الكريم الخطيب. هذه المرحلة أسست لانتقال هادئ نحو إدماج قوى كانت في موقع المعارضة ضمن منطق التدبير المؤسساتي، بما ساهم في تعزيز الاستقرار السياسي وتوسيع هامش المشاركة.
غير أن هذا المسار لم يكن بمعزل عن الأحداث الكبرى التي عرفها المغرب والعالم. فقد أعادت أحداث 16 ماي 2003 ترتيب الأولويات الوطنية، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن والتشريعات المرتبطة بمكافحة الإرهاب. ثم جاءت الأزمة المالية العالمية سنة 2008 لتختبر قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود، قبل أن تفرض التحولات الإقليمية المرتبطة بما سمي بالربيع العربي سنة 2011 دينامية إصلاحية جديدة تُوّجت بإقرار دستور 2011، الذي عزز مكانة المؤسسات الدستورية، وكرّس مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
على المستوى الاقتصادي، اختار المغرب تعزيز اندماجه في الاقتصاد العالمي، مع تعميق توجهاته الليبرالية، والانفتاح على الاستثمارات الخارجية. وقد ساهمت مشاريع كبرى في إعادة تموقع المملكة ضمن سلاسل الإنتاج العالمية، من قبيل ميناء ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح منصة استراتيجية للتبادل التجاري بين أوروبا وإفريقيا.
كما أن تطورات ملف الصحراء، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020، عززت موقع المغرب الدبلوماسي وفتحت آفاقاً جديدة للتعاون الدولي، في ظل تأكيد متواصل على الاستقرار والوحدة الترابية.
إلى جانب ذلك، عرفت عدة جهات بالمملكة تحولات ملحوظة في البنيات التحتية والتهيئة الحضرية، ما ساهم في تحسين جاذبية الاستثمار وتعزيز الاندماج المجالي. كما لعب التطور التكنولوجي والتحول الرقمي دوراً متنامياً في تحديث الإدارة والخدمات.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الواقع الاجتماعي يطرح تحديات ملموسة. فارتفاع كلفة المعيشة، واستمرار البطالة في صفوف الشباب، والضغط الضريبي، وتأثيرات التضخم في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19، كلها عوامل تؤثر على القدرة الشرائية وعلى مستوى الثقة في المستقبل الاقتصادي.
وقد نبهت تقارير مؤسسات دستورية، من بينها المجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة، إلى اختلالات مرتبطة بالحكامة، وضرورة تعزيز الشفافية ومحاربة كل أشكال الاحتكار والفساد، بما يضمن مناخاً اقتصادياً سليماً وتنافسية عادلة.
في محيط إقليمي ودولي يتسم بعدم اليقين، يظل الاستقرار الأمني والمؤسساتي أحد أهم عناصر قوة المغرب. غير أن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب توازناً دقيقاً بين متطلبات الأمن وضمان الحريات، وبين جذب الاستثمار وتحقيق العدالة الاجتماعية.
فالعالم يعيش تحولات عميقة في موازين القوى، سواء في ظل السياسات الروسية بقيادة فلاديمير بوتين، أو التوجهات الأمريكية التي برزت خلال ولاية دونالد ترامب، أو الصعود الاقتصادي الصيني تحت قيادة شي جين بينغ، إضافة إلى التحولات داخل الاتحاد الأوروبي. هذه المتغيرات تعكس عالماً يتجه نحو إعادة رسم خرائط النفوذ، حيث أصبحت الموارد الاستراتيجية والمعادن النادرة محور تنافس متزايد.
في هذا السياق، يحرص المغرب على تنويع شراكاته وتعزيز سيادته الاقتصادية، مع الحفاظ على توازناته الداخلية.
وسط هذه التحولات، يبرز سؤال أساسي يتعلق بدور الأحزاب السياسية. فالدستور المغربي ينيط بها مهمة تأطير المواطنات والمواطنين، والمساهمة في التعبير عن الإرادة الشعبية، وتكوين النخب القادرة على تدبير الشأن العام.
إلى أي مدى تنجح الأحزاب في أداء هذا الدور؟ وهل استطاعت أن تتحول إلى فضاءات حقيقية لإنتاج الكفاءات، وصياغة برامج استراتيجية تستجيب للتحولات الوطنية والدولية؟ إن بناء الوطن لا يقتصر على جذب الاستثمارات أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل يرتبط أساساً بالاستثمار في الرأسمال البشري، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وترسيخ ثقافة النزاهة وتكافؤ الفرص.
المغرب اليوم أمام مرحلة تتطلب مزيداً من التنسيق بين الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، وترسيخ منطق الحكامة الجيدة، وتطوير آليات التقييم والمساءلة. فالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم لا تترك مجالاً للتردد، بل تفرض وضوح الرؤية وسرعة التكيف.
إن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل الاستقرار إلى تنمية شاملة، وتحويل النمو الاقتصادي إلى عدالة اجتماعية ملموسة، بما يعزز ثقة المواطن في مؤسساته، ويؤسس لمرحلة جديدة من النضج السياسي والمؤسساتي، قادرة على مواكبة إيقاع العالم دون التفريط في الخصوصية الوطنية والثوابت الجامعة.

