بين التعليق الصادق والوطنية الزائفة: هل نحب المنتخب أم نحب أنفسنا فيه؟
لم يكن السي سعيد زدوق مجرد معلق رياضي، بل كان مدرسة أخلاقية في الفرجة الكروية.
صوته لم يكن محايداً بارداً، ولا متشنجاً متملقاً، بل إنسانياً، صادقاً، ومتصالحاً مع ما تراه العين.
حين كان المنتخب المغربي يتألق، كان الفرح يفيض من نبرته دون تصنع،
وحين يخذل الأداء الآمال، كان يقول ذلك بوضوح، بلا شماعات جاهزة ولا مؤامرات كونية.
ذلك الصوت الذي صرخ “إصااابة” في مونديال 1986 لم يكن يصرخ باسم الانتصار فقط،
بل باسم كرة قدم نظيفة، وباسم علاقة سليمة بين الوطن والنقد.
فهل كان حب المنتخب، في زمن سي زدوق، مشروطاً بالتصفيق الدائم؟
أم كان حباً ناضجاً، يقبل النقص بقدر ما يحتفي بالإنجاز؟
اليوم، ونحن نعيش انهياراً أخلاقياً مزمناً تسرب إلى السياسة والإعلام والاقتصاد،
لم تسلم كرة القدم من العدوى.
ظهر معلقون ومحللون جدد، لا يتحدثون عن التمرير والتمركز والاختيارات التكتيكية،
بل عن “الوطنية”، وكأن النقد خيانة، وكأن الهزيمة مؤامرة.
متى تحولت الرياضة إلى اختبار في الولاء؟
ومتى صار السؤال عن الأداء جريمة تستوجب الإدانة؟
ألسنا نشاهد مباراة كرة قدم، أم نعيش حالة طوارئ عاطفية دائمة؟
الوطنية الزائفة لا تُبنى بالصراخ ولا بتخراج العينين.
هي لا تحتاج إلى مشانق لفظية ولا إلى تخوين جماعي.
الوطنية الحقيقية، في الرياضة كما في السياسة، تبدأ بالصدق.
حين نقول إن المنتخب المغربي مرشح للفوز بكأس أفريقيا،
فلأن المعطيات التقنية والبشرية تقول ذلك.
نحن أمام أفضل جيل في تاريخ الكرة المغربية:
مواهب عالمية، تجربة أوروبية، وانسجام نادر.
فلماذا نحتاج إلى الكذب إذا كنا أقوياء؟
ولماذا نلجأ إلى التعصب إذا كانت الكرة معنا؟
أليست الأجيال العظيمة في أفريقيا قد فازت لأنها كانت الأفضل،
لا لأنها كانت الأكثر صراخاً؟
جيل أوكوشا، جيل إيتو، جيل الحضري وأبو تريكة،
لم ينتصروا بالهيستيريا الجماعية، بل بالعمل والجودة.
وما الذي يمنع جيل حكيمي ودياز ومزراوي من أن يسير في الطريق نفسه؟
وإن لم نفز، لا قدّر الله،
فهل تتوقف البلاد؟
وهل يتحول فشل رياضي محتمل إلى أزمة وجودية؟
لماذا نُصرّ على تحويل التظاهرات الرياضية
إلى سبيطار جماعي لتفريغ العقد والأحقاد؟
أليس في هذا ما يكشف هشاشة علاقتنا بالنجاح والفشل؟
الكأس، إن جاءت، ستأتي بالكرة،
بالعقل،
وبالموهبة الاستثنائية لهذا الجيل.
ولن تأتي بالتعصب، ولا بقلة النية، ولا بتأليه المنتخب.
ربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل نشجع المنتخب لأننا نحبه،
أم لأننا نبحث فيه عن تعويض نفسي؟
رخفوا شوية على راسكم…
ودعوا الكرة تُلعب كما يجب.
Et que le meilleur gagne.

