بلد المونديال لا يسمع صرخة مواطن!
مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام حادث مؤلم كان بالإمكان تفاديه لو أُحسن التعاطي مع الأمور منذ بدايتها. شاب يصعد إلى خزان ماء في مشهد صادم، ملوّحًا بالانتحار ومرددًا بصوت مكلوم: «عاش الملك… بغيت غير تحقيق فوفاة الوالد». كلمات تختزل إحساسًا بالظلم والحيف، وتكشف هشاشة قنوات الإنصاف أمام مواطن بسيط لا يملك لا نفوذًا ولا مالًا.
هذا الشاب لم يطلب المستحيل، بل مطلبًا مشروعًا بفتح تحقيق في ظروف وفاة والده. مطلب كان يستحق أن يُنظر فيه بجدية من طرف السلطات القضائية، وأن يُحل في إطاره القانوني العادي بعيدًا عن أي تصعيد. لكن الصمت الإداري والبيروقراطية المعتادة تركاه أمام باب مسدود، فاختار طريقة احتجاجية مؤلمة لم يكن أحد يرغب في رؤيتها.
بدل معالجة شكواه بروح من المسؤولية، سارع البعض إلى نعته بصفات جارحة، ووصْفه بـ«غير المتزن نفسيًا»، وكأن طلب العدالة أصبح دليلًا على الجنون. في الوقت نفسه، أظهرت طريقة تعامل السلطات مع الموقف ضعفًا في تدبير الأزمة: رجل وقاية مدنية شجاع أُرسل لتسلق الخزان دون تجهيزات كافية للسلامة، مما أدى إلى إصابته بجروح وكسر في يده ورأسه نتيجة تعرضه للعنف من طرف المعتصم.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن المعتصم، رغم مشروعية قضيته، أخطأ حين اعتدى على رجل الإنقاذ الذي كان يؤدي واجبه بكل شجاعة. الحادث أظهر أن الجميع خاسر في مثل هذه المواقف: المواطن المحتج الذي يائس من إنصافه، والموظف البسيط الذي يدفع ثمن سوء تقدير المسؤولين.
ويبقى السؤال: ألم يكن من الأجدر فتح تحقيق في شكوى الرجل منذ البداية لتجنب هذه النتيجة المؤلمة؟ ألم يكن بالإمكان تجنيب «بلد المونديال» هذه الصور السلبية التي تتعارض مع خطاب الإنجازات والوعود التي نسمعها كل يوم؟
ما وقع يوضح بجلاء أن هناك فجوة بين ما يُقال وما يُمارس. بين الشعارات والواقع. مثل هذا التناقض لا يولد إلا اليأس وفقدان الثقة، وهما أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا في طور البحث عن التوازن.
وقبل أن تتكرر هذه المآسي بشكل أكبر، على السلطات أن تعيد النظر في كيفية تعاطيها مع قضايا المواطنين البسطاء، وأن تفتح قنوات التواصل والاستماع والإنصاف في الوقت المناسب. كما ينبغي التفكير جديًا في توفير شروط السلامة والحماية لموظفي الدولة الذين يجدون أنفسهم في مواجهة أوضاع خطيرة هم أول من يدفع ثمنها.
وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نعبر عن تمنياتنا بالشفاء العاجل لرجل الوقاية المدنية المصاب، متمنين أن تكون هذه الحادثة درسًا للجميع بأن الإنصاف المبكر والتدبير الحكيم كفيلان بحماية الجميع، مواطنين وموظفين على حد سواء.

