انتصار المغرب في كأس إفريقيا للأمم: من التتويج الرياضي إلى التفوق الاستراتيجي الشامل
لم يكن حضور المملكة المغربية في كأس إفريقيا للأمم حدثاً رياضياً عادياً، بل شكل محطة مفصلية كشفت عن انتقال المغرب من منطق المشاركة إلى منطق الريادة. فبعيداً عن النتائج التقنية داخل المستطيل الأخضر، حقق المغرب فوزاً مركباً شمل الأبعاد التنظيمية، الأمنية، التكنولوجية، الدبلوماسية، والثقافية، ليؤكد أنه دولة صاعدة تمتلك رؤية استراتيجية واضحة، تجعل من كرة القدم أداة قوة ناعمة وتسويق وطني بامتياز.
⸻
أولاً: كرة القدم كآلية للتسويق الوطني الشامل
أبان المغرب من خلال مشاركته وتنظيمه عن قدرة فريدة على توظيف كرة القدم كوسيلة لإبراز التحولات العميقة التي عرفتها المملكة. فقد أصبحت الكرة مرآة تعكس:
•الاستقرار السياسي والمؤسساتي،
•نجاعة التخطيط الاستراتيجي،
•التكامل بين الرياضة والسياسات العمومية.
وهكذا، لم تعد كرة القدم مجرد ترفيه جماهيري، بل تحولت إلى خطاب حضاري موجّه للقارة الإفريقية والعالم.
⸻
ثانياً: التنظيم والأمن كرسالة ثقة للقارة والعالم
شكّل التنظيم المحكم للتظاهرة، المدعوم بمنظومة أمنية عالية الاحترافية، أحد أبرز عناصر القوة المغربية. فقد قدّم المغرب نموذجاً متقدماً في:
•تدبير الحشود،
•تأمين الملاعب والمناطق المحيطة،
•التنسيق بين مختلف المتدخلين.
هذا النجاح بعث برسالة واضحة مفادها أن المغرب بلد آمن ومستقر، وقادر على احتضان التظاهرات الكبرى دون ارتباك أو مخاطر، مما عزز الثقة في ملفاته المستقبلية، وعلى رأسها كأس العالم.
⸻
ثالثاً: البنية التكنولوجية للملاعب ودلالاتها التنموية
أبرزت الملاعب المغربية، بما تتوفر عليه من تجهيزات رقمية وتقنيات حديثة، حجم الاستثمار في البنية التحتية الرياضية. ويعكس هذا التطور:
•انتقال المغرب من الاستهلاك التكنولوجي إلى التموقع كمنصة تنظيمية ذكية،
•ربط الرياضة بالابتكار والتحول الرقمي،
•انسجام المشاريع الرياضية مع النموذج التنموي الجديد للمملكة.
⸻
رابعاً: الاعتراف الدولي: حضور الفيفا والكاف
زيارة كبار مسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الإفريقي (كاف) لم تكن بروتوكولية فقط، بل حملت دلالات سياسية ورياضية عميقة. فقد وقف هؤلاء عن كثب على:
•جاهزية البنية التحتية،
•كفاءة الموارد البشرية،
•نجاعة الحوكمة الرياضية.
وقد أسهم ذلك في تعزيز القناعة الدولية بأن المغرب قادر ليس فقط على تنظيم كأس العالم، بل على تدبير تظاهرة كونية معقدة بمعايير عالمية.
⸻
خامساً: الأداء الرياضي والفرجة الكروية كقيمة رمزية
قدّم المنتخب المغربي واللاعبون المغاربة فرجة كروية ذات مستوى عالٍ، جمعت بين:
•الانضباط التكتيكي،
•الذكاء الجماعي،
•الروح القتالية.
وقد لقي هذا الأداء إشادة واسعة من الإعلام الأوروبي والعربي، كما حظي باهتمام خاص في أمريكا الشمالية، مما عزز الصورة الإيجابية للكرة المغربية كمدرسة حديثة قائمة على التكوين والاحتراف.
⸻
سادساً: المغرب كاستثناء عربي وإفريقي
أبرز هذا الحضور المتكامل اختلاف النموذج المغربي داخل محيطه العربي والإفريقي، حيث قدّم المغرب نفسه كدولة:
•تؤمن بالاستثمار طويل الأمد،
•تعتمد الاستقرار كرافعة للتنمية،
•توظف الرياضة كجزء من مشروع مجتمعي شامل.
وهذا ما وضعه في موقع الريادة داخل دوائر انتمائه الجغرافي والثقافي.
⸻
سابعاً: من دولة نامية إلى دولة صاعدة
أكد هذا “الكان” أن المغرب تجاوز التصنيفات التقليدية المرتبطة بالعالم الثالث، ليتموقع ضمن الدول الصاعدة التي:
•تخطط ولا ترتجل،
•تستثمر ولا تستهلك فقط،
•تبني الإنسان إلى جانب البنية التحتية.
⸻
ثامناً: كرة القدم كمشروع مجتمعي واستراتيجية وطنية
أثبتت التجربة المغربية أن تطوير كرة القدم ليس مشروعاً معزولاً، بل جزء من رؤية استراتيجية شاملة تتقاطع مع:
•التعليم والتكوين،
•الاقتصاد والاستثمار،
•الإدماج الاجتماعي والدبلوماسية الرياضية.
⸻
خاتمة
إن الفوز الحقيقي للمغرب في كأس إفريقيا للأمم لم يكن محصوراً في النتائج أو الألقاب، بل تجلّى في قدرته على تقديم نموذج دولة متكاملة، واثقة من اختياراتها، وقادرة على تحويل حدث رياضي إلى لحظة تأكيد للريادة الإقليمية والطموح العالمي. لقد كان انتصاراً عظيماً، صامتاً في أبعاده العميقة، لم يدركه كثيرون، لكنه راسخ في مؤشرات القوة والتحول الاستراتيجي للمملكة المغربية.
الدكتور المصطفى قاسمي
استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

