اليسار المنشود

اليسار المنشود
بقلم فؤاد الجعيدي


ظل الفكر اليساري، كما صاغته الأفكار الاشتراكية، وما سبقها من نظريات في معنى العدالة الاجتماعية، الوعاء الحقيقي للقيم التي نشأت، وتطورت في تطلعات الناس، نحو مجتمعات أكثر ارتباطا بالقيم الإنسانية في تجلياتها المتعلقة بالعدالة الاجتماعية.
لكن بالعودة للأوضاع، التي أنتجت بؤس الناس، لم تخرج إطلاقا عن مقولة، استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وتمظهراتها اليومية، التي راكمت الثراء لدى كمشة من الناس، ونشرت الفقر والحاجة بين أوسع الناس. حيث البشر بحكم تطلعاتهم القوية، في الانعتاق والتحرر من قسوة هذه المظالم الاجتماعية، يعيشون صراعات يومية للعودة بالعلاقات البشرية إلى أصولها الطبيعية، ولوضع حد لجشع بعض الناس ليملكوا أكثر من كل الناس من الحاجات، التي تزيد عما يستدعي الوجود البشري، لتستمر الحياة.
من هذه المنطلقات، أتت الحاجة في مغرب اليوم، لحزب تكون له القدرة على مساعدة الكادحين المغاربة، للعيش بأمان والتعايش فيما بينهم خارج مظاهر العنف اليومي، الذي بات يستوطن العلاقات الاجتماعية.
لقد عشنا كمناضلين ومن مشارب متعددة، وسط أحزابنا اليسارية، اغتيالات يومية، لهذه المثل والقيم، وعشنا بقوة انحرافات عن المسارات المؤدية،و إلى مجتمع قوي ومتراص منتج للثروة وعادل في توزيع المدخرات الوطنية، بعيدا عن الريع الذي ذاقت حلاوة نعمه، نخبنا السياسية الوطنية، وصاغت كل المبررات الهشة لاستمرار هذه الأوضاع ،التي تستفيد منها بل وكافحت بقوة، لتعطيل آليات التحالفات السياسية، القادرة على انجاز التغييرات المطلوبة في الارتقاء الجماعي بالمجتمع، إلى مصاف الدول الديمقراطية والمتقدمة. وتعززت الشكوك أكثر، في أن نخبنا في تنظيماتها اليسارية، قد انتهت صلاحيتها، ولا سيما حين وصلت إلى إدارة الشأن العمومي، وزادت الأوضاع تعقدا بتعميق الفوارق الطبقية، واتخذت إجراءات ذات طابع تفقيري في حق الطبقة العاملة والطبقات المتوسطة. وتم الإعلان، جهرا على أننا في حاجة إلى نموذج تنموي جديد.
لذا بات الأمر ملحا، في أن نبحث عن إطار سياسي جديد، ينهض من تركة التركمات النضالية، التي ساهمت فيها الجماهير المغربية على امتداد 70 سنة، وقدمت في سبيلها تضحيات جسام ،كان من ثمارها إنتاج مؤسسات وطنية، وتجارب غنية، في مسارنا الديمقراطي.. لكن الاجتهاد والاستمرار في التضحية من أجل اكتمال نضج هذه التجارب، واكتمال تطلعاتها وتعزيزها بالمبادرات الخلاقة، هو الحلقة الضعيفة التي نعيش اليوم انعكاساتها السلبية، المتجلية في عدم قدرة الفاعلين السياسيين، على الانتقال بالمجتمع إلى مراتب أعلى، وتحقيق الرفاه للناس وبالأخص القوى العاملة. وانتشر هذا التشكيك في صفوف الشباب وأخذ عنوانا عريضا بالعزوف عن السياسة والسياسيين.
لنكن واضحين سلاحنا اليوم هو الأمل في أن التغيير ممكن، وأن الخيار الناجع لتحقيق وانجاز هذا الهدف، هو خلق إطار مؤمن أولا بالخيار الديمقراطي، ومؤمن بضرورة تعبئة الناس وشحذ هممهم، في المساهمة الجماعية، لإبداع الحلول مع الناس وبواسطة الناس من أجل الناس، بالنضال اليومي ومن كل المواقع. في المدرسة والحي والمعمل والقرية والمدينة، في الإدارة وكل مرافقها. ولنقول بضمير المجتمع لا لكل أشكال الريع والامتيازات مهما صغرت.
نحن اليوم نمتلك الجرأة وسندافع عن هذه القناعة، أن السياسة والحزب السياسي هو خيارات وطنية، للنهوض بالبلاد وليست مقاولة لمراكمة الثروات كما حدث في تجاربنا الماضية.
سنعمل على المساهمة في رفع التشريع الوطني لتجريم الاغتناء من السياسية وحصد الامتيازات والحصول على المنافع.
اليسار المنشود في اعتقادنا المذهبي، هو الانفتاح عن تجارب الشعوب والأمم التي سجلت قفزات نوعية في الفكر والمعرفة، وعن الأفكار الجديدة المحركة والدافعة للتقدم والتحرر من الأوهام القديمة التي لا تنتج خبزا ولا رفاها للناس.
سنتصدى بقوة، لكل من يستغل سذاجة الناس وطيبوبة شعبنا للترويج للأفكار المتطرفة والهدامة، التي لا تمت بصلة لتراثنا العربي والإسلامي، ولا تمت للفضائل التي أشاعها النص القرآني وسيرة نبينا محمد عليه الصلاة و السلام الذي قال فيه الله جلاله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) اشتغل بين الناس وزاول أكثر من حرفة، ولم يسع لمراكمة المال، بل جاء رحمة للعالمين وذاق العذاب في سبيل مناهضة الظلم، وظل مناضلا صلبا وفي كل الظروف والشدائد والمحن التي مرت به.
نسترد اليوم كل هذه القيم النبيلة، لندافع بها عن مثل العدالة الاجتماعية.
نريد وبقوة أن نعيش مجتمعا منفتحا، على عصره مؤمنا بالتضامن بين الناس ومشجعا على المسؤولية الفردية والجماعية في وطن يتمتع بالاستقرار والوحدة داخل غنى تنوعه التاريخي ومكانته الطلائعية بين الأمم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *