الهوية الرقمية… هل نغادر البيروقراطية أم نعيد إنتاجها بلغة رقمية؟

الهوية الرقمية… هل نغادر البيروقراطية أم نعيد إنتاجها بلغة رقمية؟

بقلم يوشعيب نجار 

لم يعد التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة المغربية خيارا تقنيا عابرا أو ترفا مؤسساتيا، بل أضحى مسارا استراتيجيا تعيد من خلاله الدولة صياغة علاقتها بالمواطن. فقد انتقلت المواطنة من فضاء الوثائق الورقية المكدسة خلف شبابيك الإدارات إلى فضاء افتراضي تتحكم فيه المنصات الرقمية والهوية الإلكترونية، باعتبارها المدخل الحصري تقريباً للاستفادة من الحقوق والخدمات.

غير أن هذا التحول، على ما يحمله من وعود بتحديث الإدارة وتبسيط المساطر، يطرح في العمق إشكاليات سياسية وحقوقية معقدة، تتجاوز منطق النجاعة التقنية إلى سؤال الكرامة الإنسانية، وحماية الخصوصية، بل وحتى السيادة الرقمية للدولة. فهل نحن أمام رقمنة تُحرر المواطن من قبضة البيروقراطية، أم بصدد إعادة إنتاجها في شكل رقمي أكثر تعقيداً وأقل إنسانية؟

لقد شكّل اعتماد الجيل الجديد من البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية إحدى الركائز الأساسية لهذا الورش. فهي لم تعد مجرد وثيقة تعريف، بل حاملة لمعطيات شخصية دقيقة، تختزل هوية المواطن في “كود” رقمي ذكي. ومن حيث المبدأ، فإن هذا التوجه ينسجم مع فلسفة القانون 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر الإدارية، والذي يضع كرامة المرتفق وحقه في الوقت والمعاملة اللائقة في صلب الإصلاح الإداري.

غير أن هذا المسار، رغم وجاهته، يصطدم بواقع اجتماعي لا يمكن تجاهله. فبينما تُبنى منصات رقمية متطورة، لا يزال جزء واسع من المغاربة يعاني من الأمية الرقمية وضعف الولوج إلى الأنترنت، خاصة في العالم القروي والمناطق الجبلية. وهنا يبرز خطر حقيقي يتمثل في تحويل الهوية الرقمية من أداة إدماج إلى آلية إقصاء، تفرز مواطنين “متصلين” وآخرين خارج المنظومة. فالعدالة المجالية تقتضي أن ترافق الرقمنة بسياسات عمومية للتكوين والمواكبة، وألا يُستبدل الغياب الإداري بغياب رقمي أكثر قسوة.

ومن زاوية أخرى، تظل حماية المعطيات الشخصية حجر الزاوية في أي مشروع رقمي ناجح. فحين يضع المواطن بياناته بين يدي الإدارة، فإنه يمنحها ثقة سياسية وأخلاقية قبل أن تكون تقنية. وقد حاول المشرع المغربي تأطير هذا المجال عبر ترسانة قانونية، من قبيل القانون 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، والقانون 43.20 الخاص بخدمات الثقة، إضافة إلى قوانين الأمن السيبراني.

غير أن النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لضمان الأمان الرقمي. فالتحدي الحقيقي يكمن في التطبيق، وفي امتلاك الكفاءات البشرية، وفي بناء منظومة سيبرانية وطنية قادرة على حماية “السحابة الوطنية” وصون المعطيات من الاختراق أو الاستعمال غير المشروع. فالمعطيات الشخصية ليست مورداً اقتصادياً قابلاً للتداول، بل امتداد لحرمة الفرد وخصوصيته، كما يكفلها الدستور.

ويبقى السؤال الأعمق والأكثر حساسية مطروحا بإلحاح: إلى أي حد استطاع المغرب تحصين سيادته الرقمية؟ فجزء مهم من منظومة الرقمنة المعتمدة اليوم يستند إلى برمجيات وبنى تقنية ذات مرجعية غربية، تُحدَّد معاييرها خارج القرار الوطني. وهو ما يفتح نقاشاً مشروعاً حول شكل جديد من التبعية، لا يقل خطورة عن التبعيات الاقتصادية والمالية التقليدية.

فالسيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد رقمنة الخدمات، بل بامتلاك القرار التكنولوجي، والتحكم في البيانات، واستقلالية البنية التحتية الرقمية. أما حين تتحول الدولة إلى مستهلك لحلول جاهزة، فإنها تخاطر بتسليم مفاتيح معطيات مواطنيها لمنطق خارجي تحكمه اعتبارات تجارية وجيوسياسية، لا بالضرورة قيم السيادة أو الخصوصية.

والمفارقة أن الرقمنة، التي رُوّج لها كبديل عن البيروقراطية، قد تتحول هي نفسها إلى بيروقراطية رقمية. فبدل طوابير الانتظار أمام الشبابيك، يجد المواطن نفسه أمام أعطال تقنية، ومنصات معقدة، وتعدد كلمات المرور، وغياب مخاطب بشري يشرح ويوجّه. وهكذا يُستبدل الختم الإداري بزر معطّل، وتُستنسخ الممارسات القديمة بلغة رقمية حديثة.

ختاماً، إن الرقمنة ليست قدرا محايدا، بل خيارا سياسيا بامتياز. فهي إما أن تكون جسرا نحو دولة حديثة تحفظ كرامة المواطن وتصون خصوصيته وتعزز سيادتها الرقمية، أو أن تتحول إلى قيد جديد يعمّق الإقصاء ويعيد إنتاج التبعية بأدوات عصرية. لقد وضع المغرب لبنات مهمة في هذا الورش، غير أن المعركة الحقيقية تظل معركة الوعي والإرادة السياسية، حتى تظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا أداة للهيمنة عليه.

ويبقى الرهان مفتوحا:هل نبني رقمنة سيادية تُحرر المواطن، أم نُعيد إنتاج البيروقراطية نفسها في قالب رقمي أجنبي؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *