النشطاء الرقميون: صناع تغيير أم أدوات تحريض؟
في عصر التكنولوجيا والاتصال الرقمي، أصبح الإنترنت ساحة مفتوحة للنقاش والتعبير عن الآراء، حيث تتعدد الأصوات وتتنوع المنصات. في هذا السياق، برز دور النشطاء الرقميين، الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الأدوات الرقمية للترويج للقضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية. لكن يبقى السؤال: هل هم حقًا صناع تغيير إيجابي أم أنهم يتحولون أحيانًا إلى أدوات تحريض تؤجج الصراعات؟
لا شك أن النشطاء الرقميين لعبوا دورًا كبيرًا في تسليط الضوء على العديد من القضايا التي ربما لم تكن لتصل إلى العامة لولا الإنترنت. من حملات التوعية بقضايا البيئة إلى الدفاع عن حقوق الإنسان، استطاع هؤلاء النشطاء استخدام منصات مثل اليوتيوب وتويتر وفيسبوك وإنستغرام لتكوين حركات جماهيرية وضغط على الحكومات والمؤسسات لتحقيق التغيير.
على سبيل المثال، ساهمت العديد من الحملات الرقمية في تغيير السياسات العامة في بلدان مختلفة، كما شهدنا في حركات مثل “Me Too” التي كشفت عن قضايا التحرش الجنسي على نطاق عالمي. هذه الحملات أظهرت قدرة الإنترنت على توحيد الناس حول قضايا مشتركة، بغض النظر عن حدودهم الجغرافية.
ورغم هذا الدور الإيجابي، فإن للنشاط الرقمي وجهًا آخر قد يكون سلبيًا، إذ يمكن أن يتحول إلى أداة تحريض تؤدي إلى تأجيج الصراعات، سواء كانت سياسية، اجتماعية أو طائفية. فمع سهولة نشر المعلومات وسرعة انتشارها، قد يتم استغلال المنصات الرقمية لنشر الأخبار المزيفة أو التحريض على الكراهية والعنف.
وقد شهد العالم أمثلة عديدة على ذلك، حيث استخدمت بعض الجماعات النشاط الرقمي لتأجيج الفتن ونشر خطاب الكراهية. كما أن بعض النشطاء قد يروجون لمعلومات غير دقيقة أو مضللة، إما عن قصد أو بسبب نقص التحقق، مما يؤدي إلى تعقيد الأوضاع بدلًا من حلها.
تكمن المشكلة في أن النشاط الرقمي غالبًا ما يكون مدفوعًا بالحماس العاطفي أكثر من كونه مبنيًا على وعي عميق بالقضية المطروحة. فالكثير من النشطاء الرقميين ينطلقون من دوافع نبيلة، لكنهم قد يقعون في فخ التسرع أو الانحياز، مما يؤدي إلى نتائج قد تكون عكسية.
من هنا، تبرز أهمية المسؤولية الرقمية، والتي تتطلب من كل ناشط أن يتحقق من المعلومات التي يشاركها، وأن يضع في اعتباره تأثير كلماته وصوره على المجتمع. فالنشاط الرقمي لا يعني فقط التعبير عن الرأي، بل يعني أيضًا القدرة على قيادة التغيير بطريقة إيجابية ومدروسة.
يبقى النشطاء الرقميون جزءًا لا يتجزأ من الحياة الحديثة، وهم بلا شك أداة قوية للتأثير في القضايا المجتمعية والسياسية. ومع ذلك، فإن هذا الدور يجب أن يكون مصحوبًا بالمسؤولية والوعي. فالنشاط الرقمي يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين: إما أن يساهم في بناء مجتمع أفضل، أو أن يتحول إلى أداة لزرع الفتنة والتحريض.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكننا ضمان أن يكون النشاط الرقمي أداة للتغيير الإيجابي فقط؟ الإجابة تكمن في تعزيز ثقافة المسؤولية الرقمية، وتطوير مهارات التفكير النقدي لدى المستخدمين، لضمان أن تكون أصواتنا الرقمية قوة بناء لا هدم.

