النتائج الكروية تتطور والسياسة الرياضية تتدهور: بين رهانات كأس الأمم الإفريقية 2025 وكأس العالم 2030 والتحولات التنموية والرياضية بالمغرب
يشهد المغرب اليوم مرحلة استثنائية في تاريخه الرياضي، إذ يستعد لاحتضان كأس الأمم الإفريقية 2025، إلى جانب مشاركته في تنظيم كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال، وهو ما يشكل تتويجا لسنوات من العمل المؤسساتي والديبلوماسي والرياضي.
غير أن هذا البريق الخارجي يخفي، في المقابل، تراجعا هيكليا في السياسة الرياضية الوطنية، منذ نقل قطاع الرياضة إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وما ترتب عنه من خلط في المفاهيم وتوقف لمشاريع التنمية الرياضية، وغياب التوازن بين رياضة النخبة، والرياضة المدرسية، والرياضة القاعدية.
*الرؤية الملكية للرياضة كرافعة للتنمية:
أكد جلالة الملك محمد السادس في أكثر من خطاب أن الرياضة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق التنمية البشرية والاندماج الاجتماعي، حيث قال:
“إن الرياضة تعد وسيلة فعالة للتربية، ولتعزيز قيم المواطنة، والانفتاح على العالم، والمساهمة في التنمية المستدامة.”
هذه الرؤية الاستراتيجية تنظر إلى الرياضة كجزء من النموذج التنموي الجديد، الذي يقوم على تمكين الشباب وتكافؤ الفرص، وتثمين الكفاءات الوطنية، وجعل الرياضة محركا للتنمية المحلية والجهوية. غير أن هذا البعد الاستراتيجي بدأ يتآكل بسبب غياب تصور مؤسساتي واضح للقطاع الرياضي بعد دمجه في قطاع التربية والتعليم.
*تصريحات فوزي لقجع ورهانات التنظيم القاري والعالمي:
يرى فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أن تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 يشكل امتدادا للرؤية الملكية التي جعلت من إفريقيا عمقا استراتيجيا للمغرب، مؤكدًا أن:
“الكان 2025 ليس مجرد منافسة كروية، بل هو مشروع وطني شامل لتثمين البنيات التحتية، وتأكيد ريادة المغرب قاريا، وتجسيد للرؤية الملكية في جعل الرياضة أداة للتنمية والتقارب بين الشعوب.”
كما شدد على أن التحضير لكأس العالم 2030 سيكون مشروعا وطنيا ضخما يتجاوز كرة القدم، ويهدف إلى تحديث المدن، وتأهيل الملاعب، وتطوير شبكات النقل، وتحفيز السياحة الرياضية، بما يعزز مكانة المغرب كوجهة عالمية قادرة على تنظيم تظاهرات كبرى بمعايير احترافية.
*التحولات التنموية والرياضية المرتقبة:
تنظيم البطولتين القارية والعالمية سيسمح بإطلاق دينامية استثمارية وتنموية شاملة، تشمل:
تحديث وتوسيع البنية التحتية الرياضية، وتأهيل الملاعب والمراكز الجهوية.
-تطوير منظومة النقل الحضري والطرقي وربط المدن المستضيفة بشبكات عصرية.
-تحفيز الاقتصاد المحلي عبر خلق فرص شغل مرتبطة بالهندسة، السياحة، الإعلام، والتسويق الرياضي.
-إشعاع المغرب كقوة تنظيمية ورياضية قارية، وتجديد الثقة في مؤسساته.
لكن هذه المكتسبات ستبقى محدودة الأثر إذا لم ترافقها سياسة رياضية وطنية فعالة ومستقلة، تنظم المجال وتضمن الاستدامة بعد انتهاء التظاهرات الكبرى.
*تدهور السياسة الرياضية في ظل البنية الوزارية الجديدة:
منذ دمج قطاع الرياضة ضمن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي، برزت اختلالات هيكلية واضحة، من أبرزها:
-تمركز القرار الإداري في المركز خصوصا على المستوى المالي الذي يضرب الجهوية و المحلية في العمق دون تمكين المديريات الجهوية من صلاحيات التنفيذ، ما أدى إلى تجميد العديد من المشاريع الرياضية الجهوية.
-الخلط المفاهيمي بين الرياضة الوطنية المؤسساتية والتنافسية والرياضة المدرسية التربوية والتعليمية، مما خلق ارتباكا في تحديد الأولويات والميزانيات.
-توقف برامج التنمية الرياضية التي كانت موجهة لتأهيل الجمعيات والأندية المحلية والبنيات التحتية الصغرى.
-تهميش أطر القطاع الرياضي المتخصصة أمام هيمنة المقاربة التربوية في التدبير.
-غياب استراتيجية موحدة لتكوين الكفاءات الرياضية والإدارية، مما أدى إلى انكماش قاعدة الممارسين وضعف التنسيق بين الجامعات والعصب الرياضية.
-تراجع الرياضات الأخرى (الرياضات الجماعية والفردية) أمام هيمنة كرة القدم، دون أن يترجم ذلك إلى إصلاح شامل للمنظومة الرياضية.
هذه المؤشرات تؤكد أن التطور في النتائج الكروية والتي تعود أساسا لمجهودات الجامعة الملكية لكرة القدم وإرادة ملكية واضحة لا يعكس واقع السياسة الرياضية الوطنية، التي تعرف اليوم غيابا في الرؤية وضعفا في التنسيق والحكامة.
*مؤشرات التراجع في الأداء الرياضي الوطني:
رغم الإنجازات الكروية، يمكن رصد مجموعة من مؤشرات التدهور العام:
-تراجع المغرب في بعض التصنيفات القارية في الرياضات الأخرى وفي عدد الممارسين والمؤطرين.
-ضعف التمويل العمومي للرياضات غير الكروية.
-انخفاض عدد الأندية المسجلة قانونيا مقارنة بسنوات ما قبل الدمج الوزاري.
-تعثر برامج تطوير البنية التحتية الرياضية في عدد من الجهات.
-غياب رؤية وطنية للتكوين الرياضي للأطفال والشباب خارج الإطار المدرسي.
هذه المعطيات تؤكد أن الرياضة المغربية تمر من مرحلة ازدواجية بين نجاح كروي مؤسساتي تقوده الجامعة الملكية، وفشل حكومي في تدبير السياسة الرياضية كقطاع تنموي.
**إن احتضان المغرب لكأس الأمم الإفريقية 2025 وكأس العالم 2030 يمثلان فرصتين تاريخيتين لإعادة الاعتبار للرياضة الوطنية، ليس فقط كأداة للفرجة، بل كرافعة للتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية.
غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي إصلاحا جذريا للسياسات الرياضية، يقوم على:
-استقلالية قطاع الرياضة عن وزارة التربية الوطنية.
-اعتماد حكامة جديدة مبنية على الشفافية والكفاءة والمحاسبة.
-إعادة إطلاق مشاريع التنمية الرياضية الجهوية اقوى واشمل من السابق في عهد الوزارة السابقة.
-توحيد المفاهيم والفصل بين الرياضة المدرسية ورياضة النخبة.
-خلق جسور منطقية بين مكونات المجتمع المغربي في الرياضة بين ما هو مدرسي ومدني وعسكري وعمومي.
فبينما تتطور النتائج الكروية وتحقق نجاحات عالمية، تتدهور السياسة الرياضية الوطنية، ما لم يتم استثمار هذا الزخم القاري والعالمي في بناء منظومة رياضية مستدامة، تليق بتوجيهات جلالة الملك وطموحات الشباب المغربي
**المراجع:
*خطب جلالة الملك محمد السادس حول الشباب والتنمية البشرية (خطب العرش 2018، 2019، و2021).
*تصريحات فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، خلال الندوة الصحفية الخاصة بإعلان تنظيم “كان 2025” وتصريحاته حول “مونديال 2030” (2023–2024).
*تقارير إعلامية وتحليلية حول تدبير قطاع الرياضة بعد دمجه في وزارة التربية الوطنية (جريدة الصباح، هسبريس، الأحداث المغربية، 2023–2024).
*وثيقة النموذج التنموي الجديد، اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، 2021.
*معطيات من وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، مديرية الرياضة، 2023
*مقالات د. المصطفى الهيبة حول نقل قطاع الرياضة .

