الملك العمومي عندما يُحرر الرصيف من الناس أم الناس من الرصيف
في راهن المدن المغربية، حيث تتقاطع الدينامية العمرانية مع الإكراهات الاجتماعية، تبرز إشكالية احتلال الملك العمومي لا كعرض عابر، بل كتمظهر بنيوي لاختلالات تمتد جذورها إلى عمق السياسات الحضرية، وامتداداتها إلى اليومي المعيش للمواطن البسيط. أرصفة مكتظة، ممرات مغتصبة، وشوارع تحوّلت إلى أسواق مفتوحة، تنبض بالحياة من جهة، لكنها تؤشر على ارتباك عميق في العلاقة بين الفضاء المشترك والنظام العام من جهة أخرى.
ليس خافيًا أن هذا الواقع يُحيل على معادلة دقيقة، تتقاطع فيها مقتضيات القانون مع مطالب الكرامة، وتتشابك فيها سلطة الدولة مع تعبيرات الاقتصاد غير المهيكل. وفي قلب هذه المعادلة، ينهض القائد أو الباشا، ليس فقط كفاعل إداري يُمارس اختصاصاته التنظيمية، بل كمفصل إنساني حساس بين القانون والواقع، بين التنظير والممارسة، بين الردع والتفهّم.
لقد اعتادت بعض المقاربات الرسمية أن تُنزِل حملات تحرير الملك العمومي منزلة “التدخل الحازم”، حيث تُمتح السلطة من ترسانتها القانونية وتُنزِّلها على أرض الواقع بعزم لا يلين. غير أن هذه المقاربة، وإن حملت بعض مظاهر النجاح المؤقت، فإنها كثيرًا ما تصطدم بحدودها، حين تعود الفوضى إلى الفضاء ذاته بعد انقضاء الحملة، كأنها لم تكن. وهنا، يتبدى بوضوح أن الحزم وحده، حين يُمارَس في معزل عن الفهم والسياق، لا ينتج نظامًا، بل يرسخ دورة متكررة من الفوضى والقمع.
الرهان، إذن، ليس في مجرد فرض النظام، بل في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والفضاء العام على أساس تعاقدي. تعاقد قوامه الاحترام المتبادل، والمسؤولية المشتركة، والإحساس بأن المدينة، بما تملكه من أرصفة وحدائق وممرات، ليست ملكًا للإدارة، ولا حقًا حصريًا للتاجر أو البائع المتجول، بل هي مجال مشترك، لا يُستباح ولا يُختزل في منطق المصلحة الخاصة.
في هذا السياق، يصبح دور السلطة المحلية – ممثلة في القائد أو الباشا – أقرب إلى وظيفة الوسيط، والمُربّي المدني، الذي يُزاوج بين سلطة القانون وحكمة الإصغاء. فتدخل السلطة لا يجب أن يُختزل في الحضور القوي للأمن، بل يجب أن يُستكمل بحضورٍ أقوى للفكر، للتواصل، وللإقناع. فقبل أن تُرفع العربات وتُحجز السلع، لا بد أن يُفتح حوار صادق، تتخلله جلسات تحسيس، وبدائل واقعية، ومسارات انتقال تدريجي من العشوائي إلى المنظم.
إن الحل لا يكمن في تجريد الأرصفة فحسب، بل في تحرير الإنسان من هشاشته، وتوسيع آفاقه الاقتصادية، وإدماجه في دورة الكرامة. لذا، وجب التفكير في خلق أسواق محلية نموذجية، وتوفير أدوات التمكين الاجتماعي، وتقديم عروض تكوينية وتمويلات صغيرة تُعيد إدماج الباعة في الدورة القانونية للاقتصاد. ومن ثَم، يصبح تحرير الملك العمومي عملاً مركبًا، يتقاطع فيه العمراني بالاجتماعي، والتقني بالأخلاقي، والأمني بالتحسيسي.
إننا بحاجة إلى أن نُعيد للمدينة هيبتها، ولكننا في الآن ذاته مدعوون إلى أن نُعيد للإنسان مكانته. فالسلطة، حين تتجرد من البعد الاجتماعي، تتحول إلى آلة، والمواطن، حين يُجَرَّد من كرامته، يُختزل إلى رقم في سجل المخالفات. وما نطمح إليه، في نهاية المطاف، هو مدينة تتسع للجميع، تُحترم فيها القوانين لأنها عادلة، لا لأنها مفروضة، ويُصان فيها الملك العمومي لأنه عنوان للعيش المشترك، لا لأنه محروس من قبل رجال السلطة.
بهذه الرؤية، يمكن أن يتحول القائد أو الباشا من مجرّد منفذ للزجر، إلى صانع للثقة، وباني لتوازن جديد بين الحقوق والواجبات. فنحن لا نحتاج إلى مدن خالية من المخالفين بقدر ما نحتاج إلى فضاءات مليئة بالوعي، تعكس روح المواطنة، وتكرّس سلطة الدولة باعتبارها راعية للعدل، لا فقط حارسة للنظام.

