المغاربة والرياضة: فرجة حية وممارسة ميتة

المغاربة والرياضة: فرجة حية وممارسة ميتة
بقلم: د. المصطفى الهيبة

 

تعيش الرياضة في المغرب مفارقة حادة:
فهي حاضرة في الوجدان الجمعي أكثر مما هي حاضرة في الجسد الفردي.
فبينما تهتز المقاهي والساحات عند كل مباراة كبرى، تبقى الملاعب الحقيقية شبه فارغة من الممارسين، وبدن المواطن المغربي يزداد خمولا وضعفا.
إننا أمام ظاهرة مركبة تتجاوز حدود الرياضة نفسها، لتكشف عن علاقة المغاربة بأجسادهم، بزمنهم، وبفكرة المشاركة الجماعية في الفعل بدل الاكتفاء بالمشاهدة و الفرجة.
*الفرجة كتعويض نفسي وجماعي:
تأخذ كرة القدم في المخيال المغربي مكانة تتجاوز التسلية، إنها مساحة رمزية للتنفيس عن الإحباطات اليومية، وهروب جماعي من واقع يعج بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
حين يفوز المنتخب، يشعر المواطن بانتصار شخصي يعوضه عن إخفاقاته الخاصة.
وحين يخسر، يجد في الجماهير الغاضبة مرآة تعكس غضبه المكبوت من أوضاعه.
بهذا المعنى، تتحول الرياضة إلى دراما وطنية يعيشها الناس وجدانيا أكثر مما يمارسونها فعليا، فتصبح الفرجة طقسا نفسيا جماعيا يحقن الناس بالأمل المؤقت، دون أن ينتج تغييرا حقيقيا في نمط الحياة.
*الجسد الغائب في الثقافة المغربية:
ثقافيا، لا يزال الجسد في الوعي الجمعي المغربي محاطا بالمحظورات والقيود.
فالممارسة الرياضية، خاصة لدى النساء، لا تعتبر دائمًا ضرورة حياتية، بل ترفا أو مظهرا غربيا ضعيف الألفة.
أما في المدارس، فالتربية البدنية غالبا ما تعامل كمادة ثانوية بلا روح، مما يعمق اغتراب الفرد عن جسده منذ الطفولة.
إن ضعف ثقافة الجسد يعكس في العمق نظرة ثقافية سلبية للحركة والمتعة البدنية، حيث يربط الجهد الجسدي بالعمل القسري، لا بالراحة النفسية أو التوازن الصحي.
*الإعلام والسياسات… صناعة الفرجة بدل بناء الثقافة الرياضية:
تتحمل الإعلام والسياسات العمومية جزءا كبيرا من المسؤولية.
فالإعلام الرياضي المغربي يصنع جمهورًا متفرجا لا مواطنا ممارسا.
البرامج تلهب العاطفة وتؤدلج التشجيع، لكنها لا تبني معرفة ولا تحفز ممارسة و لا تبني حافزية لقرار الممارسة الرياضية.
وبدل أن تزرع قيم الانضباط، التعاون، واللياقة، تغذي ثقافة الاستهلاك العاطفي السريع.
أما السياسات الرياضية، فهي تركز على النتائج الكبرى والرموز الوطنية و المنتخبات المنتقاة أكثر من تركيزها على البنية التحتية القاعدية، فتغدق الأموال على المنتخبات والنوادي و خاصة منها نوادي كرة القدم، بينما تهمل الحدائق، والملاعب الصغيرة، والمدارس، و مسالك الهرولة و ساحات التمارين الرياضية، وهي الفضاءات التي تصنع الرياضي الحقيقي قبل أن تصنع البطل و تصنع المواطن السليم أكثر مما تصنع اللاعب الموهوب.
*الفرجة كهوية بديلة:
لقد تحولت الرياضة في المغرب إلى هوية رمزية توحد الناس حول انفعالات مشتركة.
فالمغربي الذي يشعر بالتهميش الاجتماعي يجد في تشجيع فريقه نوعا من الانتماء والعزاء.
الجماهير تشكل مجتمعا بديلا، مؤقتا، تحكمه الحماسة بدل السياسة، والهتاف بدل الحوار.
إنها هوية بديلة تخفف من قسوة الواقع، لكنها لا تغيره.
فبدل أن تكون الرياضة وسيلة للنهوض الجماعي، تحولت إلى مرآة نرجسية نكتفي فيها بالنظر إلى إنجازات الآخرين.
*نحو ثورة ثقافية في فهم الرياضة:
لكي تتحرر الرياضة من سجن الفرجة، لا بد من ثورة ثقافية وتربوية تجعل من الجسد قيمة اجتماعية، ومن الحركة أسلوب حياة.
ينبغي أن تدرج الرياضة ضمن السياسات الصحية والتعليمية والثقافية و التربوية و الإجتماعية، وأن يعاد للإعلام دوره التوعوي لا الترفيهي فقط المثقل بتاىج المباريات و بيع و شراء اللاعبين .
كما يجب أن يتعلم الطفل المغربي منذ الصغر أن الرياضة ليست للمتفرجين، بل لغة تواصل بين الإنسان وجسده، وبين الفرد ومجتمعه و بين جسده و سلامته الصحية.
*إن أزمة الرياضة في المغرب ليست أزمة ملاعب أو تجهيزات، بل أزمة وعي وثقافة.
فطالما ظلت الرياضة فرجة حية تلهب الحماس دون أن تحرك الجسد، ستبقى الممارسة ميتة، وسيبقى المواطن متفرجا على ذاته.
الرهان الحقيقي ليس في رفع الكؤوس، بل في إحياء الجسد المغربي من سباته، ليصبح المواطن سليما معافى مشاركا في الفعل لا شاهدا عليه.
***المراجع:
*عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا الجسد في المغرب، منشورات ضفاف، بيروت، 2018.
*المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الرياضة رافعة للتنمية البشرية والاجتماعية، تقرير رسمي، الرباط، 2022.
*الحسين الوردي، الثقافة الصحية في المجتمع المغربي، دار إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2019.
*عبد الكبير الصالحي، الإعلام الرياضي المغربي: من الترفيه إلى صناعة الوعي، مجلة الفكر الاجتماعي، العدد 15، 2021.
*بورديو بيير،التمييز: نقد اجتماعي للحكم الذوقي، ترجمة د. جورج طرابيشي، دار الكتاب الجديد، بيروت، 1990.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *