المؤسسة التشريعية بالمغرب وعلاقتها بالتحولات الرياضية: قراءة في التناولات، التحديات والآفاق

المؤسسة التشريعية بالمغرب وعلاقتها بالتحولات الرياضية: قراءة في التناولات، التحديات والآفاق
المصطفى الهيبة: إطار بقطاع الرياضة.

 

مقدمة:
شهد المغرب خلال العقدين الأخيرين تحولات كبرى على مستوى الرياضة، سواء من حيث البنيات التحتية، أو الأداء الدولي للمنتخبات الوطنية، أو حجم الاستثمارات العمومية والخاصة.
هذه التحولات لم تكن بمنأى عن النقاش السياسي والمؤسساتي، إذ أصبحت الرياضة اليوم ملفاً سياسياً واجتماعياً بامتياز، يتقاطع مع قضايا الحوكمة، التنمية الترابية، الدبلوماسية الناعمة، والهوية الوطنية.
في هذا السياق، برز دور المؤسسة التشريعية (البرلمان) بوصفها الفضاء الدستوري المكلف بمراقبة السياسات العمومية، وسن التشريعات المنظمة للقطاع.
غير أن العلاقة بين المؤسسة التشريعية والتحولات الرياضية ما تزال محاطة بإكراهات، وموسومة بتباين الرؤى حول سبل تدبيرها.
**أولاً: مجمل التناولات التشريعية للرياضة:
منذ صدور قانون التربية البدنية والرياضة رقم 30.09، حاول البرلمان المغربي تطوير الإطار القانوني للقطاع.
إلا أن التطبيق العملي لهذا القانون أظهر محدودياته، سواء في ما يخص مراقبة الجامعات والنوادي أو في ضمان حكامة مالية فعالة.
خلال السنوات الأخيرة، تزايدت المناقشات داخل البرلمان حول:
-تقييم الاستراتيجية الوطنية للرياضة (2008–2020) التي لم تحقق أهدافها المرجوة.
-تعديل قانون الرياضة لمواكبة المستجدات، خاصة فيما يتعلق بالشفافية والتمويل.
-مقترحات جديدة كإحداث مجلس أعلى للرياضة لتجاوز التشتت المؤسساتي وضمان التنسيق المركزي.
-الجدل حول الاستعمال الرمزي والسياسي للرياضة، وهو ما أثار نقاشات حادة داخل قبة البرلمان وفي الإعلام.
**ثانياً: التحديات الأساسية في النقاش البرلماني:
1.محدودية التشريع القائم:
قانون 30.09 لم يعد كافياً لمواكبة التحديات الحديثة المرتبطة بالحوكمة والرقمنة والعصرنة.
2.إشكالية الحوكمة والمحاسبة:
الجامعات الرياضية غالباً ما تعمل في غياب رقابة حقيقية، مع تركز السلطة بيد أفراد أو مجموعات ضيقة.
3.التجزء المؤسساتي:
تعدد الفاعلين (وزارة التربية الوطنية والرياضة، الجامعات، الجماعات الترابية، القطاع الخاص) يؤدي إلى تضارب الصلاحيات وتكرار القرارات.
4.البعد الرمزي والسياسي:
إدماج الرموز أو الرسائل السياسية في الرياضة أفرز إشكالات على المستوى الدولي وأثار تساؤلات حول حدود هذا التداخل.
5.العدالة المجالية:
ضعف التوازن بين الجهات في ما يتعلق بالبنيات التحتية والفرص الرياضية، حيث تتركز معظم الاستثمارات في المدن الكبرى.
**ثالثاً: المشاكل البنيوية المرتبطة بالتشريع الرياضي:
-غياب آليات رقابية صارمة تلزم الجامعات والنوادي بنشر تقارير مالية سنوية مدققة.
-تأخر تفعيل النصوص:
العديد من المقتضيات التشريعية تبقى حبراً على ورق، دون متابعة عملية.
-ضعف التكوين الإداري والمهني: التركيز على الجانب التنافسي أكثر من الاستثمار في الموارد البشرية الإدارية والتقنية.
-الاستعمال السياسي للرياضة:
ربط الرياضة بملفات سياسية أو رمزية قد يجر على المؤسسات الرياضية تبعات قانونية أو دبلوماسية.
-إدارة غير مستدامة:
غياب خطط متوسطة وطويلة المدى داخل الجامعات والنوادي، مقابل الاعتماد على منطق التدبير الآني.
**رابعاً: الآفاق الممكنة لتجويد التدخل التشريعي:
1.إعادة صياغة قانون الرياضة بشكل شامل ومرن، مع إدماج مقتضيات خاصة بالرقمنة، الشفافية، التمويل المستدام، والمسؤولية المجتمعية.
2.إحداث المجلس الأعلى للرياضة كهيئة مستقلة ذات صلاحيات استراتيجية ورقابية، تكون مهمته توحيد الرؤى وضمان التنسيق بين مختلف الفاعلين.
3.إقرار العدالة الترابية عبر إلزام الحكومة ببرامج استثمارية متوازنة تضمن وصول الرياضة إلى المناطق القروية والجهات الأقل حظاً.
4.تعزيز الحوكمة المالية من خلال ربط الاستفادة من الدعم العمومي بنشر تقارير مالية مضبوطة ومراقبة من طرف هيئات مستقلة.
5.مأسسة التقييم البرلماني:
عبر تقارير سنوية إلزامية للحكومة والجامعات أمام البرلمان، وربطها بمؤشرات أداء واضحة .
6.تشجيع الشراكات مع القطاع الخاص وفق ضوابط تشريعية تحمي المصلحة العامة وتضمن الاستدامة.
7.تأهيل الموارد البشرية عبر إدماج برامج تكوين إداري وتقني كشرط أساسي في الاستراتيجيات الوطنية.
**خامساً: كيف يجب أن تتعامل السلطة التشريعية مع الشأن الرياضي لضمان النجاعة؟
-تبني رؤية استراتيجية وطنية:
البرلمان لا يكتفي بالتشريع، بل يضمن التنسيق بين النصوص والسياسات العمومية.
تقوية الرقابة البرلمانية:
-إنشاء لجنة دائمة مختصة في الشأن الرياضي تتولى مساءلة الحكومة والجامعات بشكل منتظم.
-فرض الشفافية كشرط إلزامي: لا دعم عمومي دون محاسبة وتدقيق مالي.
-تحصين الرياضة من التوظيف السياسي عبر مدونة سلوك وطنية واضحة، لحماية صورة المغرب في المحافل الدولية.
-إشراك المجتمع المدني والشباب في صياغة القوانين، لإدماج صوت القاعدة الرياضية وضمان ملاءمة النصوص مع الواقع.
-اعتماد ثقافة التقييم والمساءلة بدل النقاش الظرفي، من خلال مؤشرات دقيقة لقياس نجاح أو فشل السياسات.
خاتمة:
إن العلاقة بين المؤسسة التشريعية والتحولات الرياضية في المغرب تكشف عن معادلة معقدة:
نصوص قانونية طموحة تقابلها صعوبات في التطبيق والحوكمة.
البرلمان مدعو اليوم إلى تجاوز النقاشات الشكلية نحو بناء إطار تشريعي ومؤسساتي يحقق النجاعة، ويجعل من الرياضة رافعة للتنمية والدبلوماسية الناعمة.
الرياضة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت مجالاً استراتيجياً يرتبط بالهوية، الاقتصاد، والسياسة الدولية.
ومن ثَمّ، فإن نجاعة التدخل التشريعي تبقى رهينة بقدرة البرلمان على إرساء منظومة متوازنة، شفافة، ومستدامة، قادرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع المغربي.
المراجع:
*Hespress – “المغرب يوافق على تعديل قانون الرياضة” (hespress.com)
*SNRT News – “مقترح إحداث المجلس الأعلى للرياضة” (snrtnews.com)
*Medias24 – “إصلاح المنظومة الرياضية في البرلمان” (medias24.com)
*Le Matin – “حوكمة الجامعات الرياضية” (lematin.ma)
*Aujourd’hui Le Maroc – “إكراهات القانون 30.09” (aujourdhui.ma)
*Maroc Diplomatique – “البعد السياسي للرياضة” (maroc-diplomatique.net)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *