القوانين بسرعتين: حين يشتغل التشريع بمنطق الكيل بمكيالين

القوانين بسرعتين: حين يشتغل التشريع بمنطق الكيل بمكيالين
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع

في كل مرة يقترب فيها المغرب من محطة سياسية جديدة، تتضح الصورة أكثر: نحن أمام دولة تتقن لعبة السرعتين، سرعة قصوى في تمرير القوانين التي تخدم مصالح ضيقة، وسرعة حلزونية حين يتعلق الأمر بانتظارات الشعب.

الظاهرة لم تعد خافية، فالمواطن المغربي صار يميز بسهولة بين قانون يولد في ظرف أسابيع، وآخر يقضي سنوات في الرحم البرلماني دون أن يُكتب له الميلاد.
فالأمر أشبه بماكينة تشتغل حسب الطلب: حين يُطلب منها تشريع يخدم المالية العمومية أو يستجيب لتوصيات المؤسسات الدولية، تدور عجلاتها بكامل طاقتها. أما حين يُطلب منها قانون ينصف العمال أو يوسع دائرة الحقوق الاجتماعية، فتصاب بما يشبه العطل المفاجئ.

من يتأمل المشهد يدرك أن التشريع لم يعد وظيفة نبيلة لتجسيد إرادة الأمة، بل صار أداة لإدارة التوازنات. فالقوانين اليوم تقسم إلى فئتين: قوانين نافذة تُمرر بليل، وأخرى مؤجلة تنتظر مواسم سياسية لا يعرفها إلا أصحاب القرار.

هكذا نكتشف أن “الزمن التشريعي” ليس زمناً وطنياً موحداً، بل هو زمن انتقائي تحكمه الحاجة والضرورة. إنه أشبه بساعة تُضبط عقاربها وفقاً لمزاج السلطة التنفيذية، لا وفقاً لإيقاع المجتمع.

خذ مثلاً قانون الزيادة في الضرائب: من لحظة التفكير فيه إلى لحظة المصادقة، تمر بضعة أسابيع.
أما قانون إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، فقد بقي لسنوات في انتظار التسوية التقنية والسياسية. والنتيجة واضحة: المواطن يدفع دائماً بسرعة، لكنه لا يتلقى الحقوق إلا بالقطارة.

هذه الازدواجية تفضح هشاشة الخطاب الرسمي.
إذ كيف يمكن لحكومة أن ترفع شعار العدالة الاجتماعية وهي عاجزة عن إخراج قوانين أساسية؟ كيف يمكنها أن تتحدث عن دولة الحق والقانون بينما تُدار عملية التشريع بمقصّ الانتقائية؟

الأخطر من ذلك أن هذه الازدواجية تهدد المصداقية الدستورية للمؤسسات. فالبرلمان، الذي يُفترض أن يكون سلطة تشريعية مستقلة، يتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد غرفة تسجيل تتكيف مع إيقاع الحكومة، سرعة هنا، تباطؤ هناك. حتى صار النواب أنفسهم يدركون أن قيمة تدخلاتهم محدودة أمام منطق “القوانين بالأوامر”.

وإذا كان مبدأ المساواة أمام القانون أساس العدالة، فإن الواقع يُظهر أننا أمام مساواة منقوصة.
فالقوانين لا تُصاغ على قاعدة الحاجة المجتمعية، بل على قاعدة الأولوية السلطوية.
فالمواطن البسيط، حين يرى ذلك، يفقد ثقته في أن القانون يعبر عن إرادته.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في أي نظام سياسي: انكسار الرابط القانوني بين الدولة ومواطنيها.

القوانين السريعة ليست بالضرورة سيئة. لكن المشكل يكمن حين تصبح السرعة انتقائية.
فالتشريع الذي يُمرر بسرعة لخدمة الاقتصاد يجب أن يقابله تشريع سريع أيضاً لحماية الفئات الهشة.
وإلا فإننا نصبح أمام ميزان مختلّ، يقيس بالإنصاف مصالح النخبة، ويقيس بالبطء حقوق الجماهير.

المفارقة أن هذه الحكومة، التي رفعت شعار “الإصلاح العميق”، مارست أكثر أشكال الإصلاح سطحية: قوانين سريعة تضرب جيوب الناس، وقوانين بطيئة لا تصلح واقعهم.
بل إن كثيراً من هذه القوانين السريعة خرجت دون نقاش مجتمعي حقيقي، مما جعلها تفقد روحها التوافقية.

إن التشريع بمنطق السرعتين هو تشريع بوجهين: وجه يُرضي المانحين والدوائر المالية، ووجه آخر يُهمل انتظارات المواطنين، وبين الوجهين، تضيع الثقة وتضيع السياسة.

اليوم، ونحن نقترب من نهاية هذه الولاية، يمكن أن نلخّص حصيلتها بجملة واحدة: لقد أبدعت في تقسيم التشريع إلى فئتين، وأثبتت أن سرعة الدولة لا تُقاس بحاجات المجتمع، بل بإكراهات اللحظة السياسية.

لكن التاريخ لن يرحم، سيُسجَّل أن هذه الحكومة لم تُنجز إصلاحات جوهرية بقدر ما مارست لعبة السرعتين، وسيُكتب أن المواطن المغربي كان شاهداً على زمنٍ تُمرر فيه القوانين المالية كالعاصفة، وتُجمَّد فيه القوانين الاجتماعية كجليد لا يذوب.

وفي النهاية، يبقى السؤال المؤلم معلقاً: هل نعيش في دولة القوانين، أم في دولة تُدار بالقوانين على المقاس؟ وهل يمكن الحديث عن “مشروع ديمقراطي” إذا كان زمن التشريع نفسه ينقسم إلى سرعة للأغنياء وبطء للفقراء؟

الجواب، بكل أسف، واضح للعيان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *