العلاقات المغربية–السنغالية: من دبلوماسية الرموز إلى رهانات التحول الجيلي “قراءة في ثبات الدولة وتحوّل النخب السياسية”

العلاقات المغربية–السنغالية: من دبلوماسية الرموز إلى رهانات التحول الجيلي “قراءة في ثبات الدولة وتحوّل النخب السياسية”
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع_ باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

ليس من الحكمة السياسية، ولا من الرصانة الأكاديمية، مقاربة العلاقات المغربية–السنغالية بمنظار جامد يختزلها في أسماء قادة أو لحظات تاريخية بعينها، وكأن العلاقات بين الدول تُدار خارج منطق التحول الاجتماعي والتجدد السياسي. فالتاريخ السياسي، بخلاف الذاكرة العاطفية، لا يعرف التوقف، والعلاقات الدولية لا تُبنى على الثبات، بل على القدرة المستمرة على التكيف مع المتغيرات.
إن قراءة المشهد السياسي السنغالي الراهن تفرض قدراً عالياً من النضج التحليلي، بعيداً عن الانفعالات الإعلامية أو التأويلات التبسيطية التي تُضخّم منسوب القلق وتُقلّص أفق الفهم. فما تعيشه السنغال اليوم لا يمكن اختزاله في منطق القطيعة أو الانقلاب على الإرث الدبلوماسي السابق، بل هو تعبير طبيعي عن سنة كونية في السياسة: تداول النخب وتغيير الأجيال.
لقد شكّلت السنغال، منذ استقلالها، نموذجاً جمهورياً إفريقياً متماسكاً، قاده رجال دولة امتلكوا رؤية استراتيجية واضحة لموقع بلادهم في القارة والعالم. من ليوبولد سيدار سنغور، الذي جمع بين العمق الإنساني والفكر الإفريقي المتصالح مع ذاته، إلى عبدو ضيوف، ثم عبد الله واد، وصولاً إلى ماكي سال؛ ظلّ المغرب حاضراً في الوعي السياسي السنغالي بوصفه شريكاً موثوقاً، وفاعلاً قارياً ذا امتداد روحي واقتصادي معتبر.
غير أن السياسة، بطبيعتها، لا تعترف بالاستمرارية الشخصية، بل بالاستمرارية المؤسساتية. وما يشهده النظام السياسي السنغالي اليوم هو انتقال طبيعي نحو جيل جديد من الفاعلين السياسيين، يحملون مرجعيات مختلفة، ويتحركون بمنطق مغاير، أقل ارتباطاً بالذاكرة الرمزية وأكثر التصاقاً بمنطق النتائج والمصالح الملموسة. وهذا التحول لا ينبغي أن يُقرأ كتهديد للعلاقات المغربية–السنغالية، بل كاختبار حقيقي لقدرتها على الصمود خارج دائرة العلاقات الشخصية.
في هذا السياق، يبرز الفرق البنيوي بين طبيعة النظام الملكي المغربي، القائم على الاستمرارية التاريخية والشرعية الرمزية العابرة للأجيال، وبين النظام الجمهوري السنغالي، الذي تُعيد فيه صناديق الاقتراع تشكيل النخب وتغيير الأولويات وفق مزاج انتخابي متحوّل، لا سيما مع صعود جيل شاب بلغة سياسية جديدة، أقل عاطفية وأكثر براغماتية.
هذا المعطى يفرض على الدبلوماسية المغربية مراجعة أدوات الاشتغال، والانتقال من منطق “العلاقة الخاصة” إلى منطق الشراكة الاستراتيجية المؤسَّسة. فالعلاقات التي تُبنى على الرموز وحدها تظل هشة أمام تغير السياقات، بينما العلاقات التي تقوم على تشابك المصالح الاقتصادية، والتكامل الأمني، والتعاون الثقافي والروحي، تتحول إلى علاقات بنيوية يصعب تفكيكها أو الالتفاف عليها.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في استعادة خطاب الماضي، بل في إعادة إنتاج العلاقة بما يتلاءم مع وعي الجيل السياسي الجديد في السنغال. جيل لا تحركه الحنينات الدبلوماسية، بل منطق “ماذا سنجني؟ وماذا سنربح؟”. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لتعميق الحضور المغربي داخل النسيج الاقتصادي والاجتماعي السنغالي، عبر مشاريع استثمارية مستدامة، وتعاون جامعي ومعرفي، وحضور ثقافي يرسّخ المغرب بوصفه شريكاً طبيعياً لا خياراً ظرفياً.
ولا يمكن فصل هذا التحليل عن السياق الجيوسياسي الإقليمي، حيث تترقب قوى إقليمية ودولية أي فتور محتمل في محور الرباط–دكار، على أمل إعادة ترتيب الاصطفافات أو ملء الفراغ. غير أن مواجهة هذه الرهانات لا تكون بردود فعل انفعالية، ولا بخطاب سيادي متشنج، بل بتعميق منسوب الثقة، وبناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة طويلة الأمد.
وتظل قضية الصحراء المغربية، في هذا السياق، الاختبار المركزي لصدقية الشراكات. فالمغرب، وهو يحترم السيادة الكاملة للسنغال في اختياراتها السياسية، لا يمكنه القبول بتحويل وحدته الترابية إلى ملف قابل للمناورة أو المساومة. لقد شكّل الموقف السنغالي الداعم لمغربية الصحراء، عبر العقود، أحد ثوابت السياسة الخارجية لدكار، والرهان اليوم هو ضمان انتقال هذا الثابت من جيل إلى جيل، لا باعتباره موقفاً تاريخياً فقط، بل قناعة استراتيجية.
إن إقناع الجيل السياسي الجديد بوجاهة الموقف المغربي لا يمر عبر استدعاء النوستالجيا الدبلوماسية، بل عبر ربط قضية الصحراء بمنطق الاستقرار الإقليمي، والتنمية المشتركة، والأمن الجماعي في غرب إفريقيا والساحل. فالوحدة الترابية للمغرب ليست قضية سيادة وطنية فحسب، بل عنصر توازن في معادلة أمنية إفريقية معقدة.
وخلاصة القول، إن العلاقات المغربية–السنغالية تقف اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تظل رهينة منطق الأشخاص، أو أن تنتقل إلى مستوى الشراكة المؤسساتية العميقة. والحكمة السياسية تقتضي البناء على إرث الآباء المؤسسين، لا لتكريس الجمود، بل لصياغة علاقة قادرة على استيعاب تحولات الحاضر واستشراف تحديات المستقبل. علاقة تتجاوز الأسماء، وتصمد أمام تبدل الأجيال، وتبقى وفية لجوهرها الاستراتيجي: الثقة، الوضوح، الاحترام المتبادل، ووحدة المصير الإفريقي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *