العدالة المجالية… سطات بين إقصاء البراق وآمال الإنصاف

العدالة المجالية… سطات بين إقصاء البراق وآمال الإنصاف

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع

ليست العدالة المجالية مجرد شعار يُرفع في الخطب الرسمية أو يُدرج في وثائق التخطيط الترابي، بل هي جوهر الاختيار الديمقراطي وأساس التنمية المتوازنة بين الجهات والأقاليم. وعندما نتأمل وضعية مدينة سطات، نجد أنفسنا أمام نموذج صارخ لمدينة تعاني من إقصاء غير مفهوم، يكاد يُخرجها من معادلة التنمية الوطنية، رغم موقعها الاستراتيجي وإمكاناتها البشرية والاقتصادية.

سطات، المدينة التي تتوسط المجال بين الدار البيضاء ومراكش، ليست مجرد نقطة عبور جغرافي، بل فضاء حضري ينبض بالحياة ويحتضن جامعة ومؤسسات اقتصادية وفلاحية مهمة. ومع ذلك، فإنها ظلت خارج حسابات مشاريع كبرى، من بينها مشروع القطار فائق السرعة المعروف باسم البراق، الذي غيّر وجه النقل السككي بالمغرب منذ إطلاقه من طرف المكتب الوطني للسكك الحديدية.
إن إقصاء سطات من أن تكون محطة لقطار البراق يطرح أكثر من علامة استفهام. هل يتعلق الأمر بمعايير تقنية صرفة؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى ضعف الترافع وغياب صوت قوي يدافع عن مصالح الإقليم؟ كيف يعقل أن تمر خطوط استراتيجية قرب المدينة دون أن يُمنح لها حق الاستفادة من دينامية اقتصادية كان من شأنها أن تُحدث نقلة نوعية في جاذبيتها الاستثمارية والسياحية؟
العدالة المجالية، كما أقرها الدستور المغربي، ليست ترفاً سياسياً، بل التزام دستوري يقتضي توزيعاً عادلاً للاستثمارات العمومية والبنيات التحتية. غير أن الواقع يُظهر تفاوتاً صارخاً بين المدن الكبرى والمجالات المتوسطة، وهو ما يجعل سطات تدفع ثمن تموقعها خارج دائرة القرار.

إن الحديث عن إقصاء غير مفهوم لا يعني بالضرورة وجود نية مبيتة، لكنه يكشف خللاً في آليات التخطيط والتنسيق بين مختلف المتدخلين. فالمدينة تعاني من ضعف في جاذبية الاستثمار، ومن بطء في تنزيل المشاريع، ومن غياب رؤية تنموية مندمجة تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الفلاحية والعلمية والصناعية.

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن إشكالية التأشير على ميزانيات وبرامج سبق أن صادقت عليها الجهة، في انتظار موافقة وزارة الداخلية المغربية وفق المعايير الأربعة المعتمدة. فتعثر التأشير أو تأخره ينعكس سلباً على وتيرة إنجاز المشاريع، ويغذي شعور الساكنة بأن المدينة خارج أولويات السياسات العمومية.

العدالة المجالية تعني أن تحظى كل مدينة بنصيبها العادل من المشاريع الاستراتيجية، وأن يُراعى في التخطيط مبدأ التكامل لا الإقصاء. فوجود محطة للبراق بسطات لن يكون مجرد توقف تقني، بل رسالة سياسية وتنموية تؤكد أن الدولة حريصة على إدماج كل مكوناتها الترابية في دينامية النمو.

إن سطات تمتلك مؤهلات حقيقية: موقع متوسط، قاعدة فلاحية قوية، مؤسسات تعليم عالٍ، وقرب من قطب اقتصادي ضخم كالدار البيضاء. غير أن هذه المؤهلات تحتاج إلى قرار شجاع يترجمها إلى مشاريع ملموسة. فالقطار فائق السرعة ليس وسيلة نقل فحسب، بل رافعة استثمارية تعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمجالات التي يمر منها.

وفي غياب عدالة مجالية فعلية، تتسع الفوارق، وتتعمق الهجرة نحو المدن الكبرى، وتُستنزف الطاقات المحلية. أما حين تتحقق هذه العدالة، فإنها تعيد الثقة في المؤسسات، وتُشعر المواطن بأن انتماءه الترابي ليس عبئاً بل فرصة.
إن مسؤولية الدفاع عن سطات لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية: منتخبون، برلمانيون، مجتمع مدني، ونخب أكاديمية. فالترافع الواعي والمؤسس على معطيات دقيقة قادر على تصحيح الاختلالات وإعادة إدراج المدينة ضمن أولويات التخطيط الوطني.
ختاماً، إن سطات لا تطلب امتيازاً استثنائياً، بل حقاً مشروعاً في التنمية المتوازنة. والعدالة المجالية ليست شعاراً عاطفياً، بل معياراً لقياس صدقية السياسات العمومية. فإما أن تكون التنمية شاملة وعادلة، وإما أن يبقى الإقصاء عنوان مرحلة تحتاج إلى مراجعة عميقة.

سطات اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تُدرج في مسار البراق فتسير مع رياح التحديث، أو تبقى على هامش الخريطة، تنتظر قطار العدالة الذي طال تأخره.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *