الشن الطن: تجارب مع الأبالسة في قهر المناحسة
في الواقع، كان علي أن أصمت، وأخلد للراحة البيولوجية كما يفعل حوت البحر، بعد إحالتي على التقاعد. لكن شيئا في دواخلي يصر علي ويناديني أن القبر وحده القادر بصمتي.
تلقيت ضربات، قوية في وظيفتي، يوم أن قرر معتوه، إخراجي من الإدارة وإلحاقي بالفصل لتدريس مادة التواصل بمدينة برشيد. كان لزاما علي أن يقتطع من أجري 3000 ده، وأتحمل عبء مصاريف التنقل اليومي من سطات إلى برشيد. لكن لم يكن القرار الجائر، ليصدني عن القيام بواجباتي اليومية اتجاه المتدربين، وتمكينهم من تقنيات التواصل الحديث، وفق النظريات اللسانية وعلمي النفس والاجتماع. كنت أتخير يوميا، في فترات الراحة ركنا منعزلا بمقهى المدينة التي حللت بها عقابا لمواقفي، وأحضر كما ينبغي المادة، ومضامينها التي أفيد بها تلك الوجوه التي كنت أستضيفها في كل حصة. القسم وحده كان كفيلا، بأن ينسيني الغبن الذي سقط علي فجأة.. كان سبب الإقالة أني وقفت في وجه مسؤول جهوي، أراد أن يمرر صفقة، يأكل منها المال العمومي وبعجرفة سلطته الإدارية، فتصديت له ومنعته من الدخول إلى المركز حيث كانت اللجنة مجتمعة وفشلت في تمرير ما رأيته سرقة مفضوحة وبالقوة للمال العمومي.
تحملت ظلم القرار وشططه، وفيما بعد أدركت أن رفيقا بالحزب ساند خفية، وألب سرا، ولم يكن هذا الرفيق سوى le camarade myaw والذي لم يرتق بأخلاقه وقيمه لقبعة الرفيق ماو تسيتانغ التي كان يشهرها، كمراهق فوق رأسه الصخرية والشريرة، لكنه بات اليوم رقاصا بين جهة مراكش آسفي وتعرى من كل القيم الإنسانية وصار شحاتا بين الفروع الحزبية.
في حين أن من وقع قرار انتقالي، وخصم التعويضات من أجري، لم تمض عليه سوى ثلاثة أشهر، حتى طلعت عليه المفتشية العامة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، بتقرير صادم نشر بجريدة الصباح في صفحتها الأولى يفيد أنه اختلس أموالا وبالتالي تم توقيفه عن العمل.
لم أدر كيف استطاع هذا الشخص، الذي التحق متأخرا بالوظيفة، وأتى بالضبط من حاضنة الطلبة المعطلين، لما وزعوا قادتها على الوظيفة العمومية، أن يصبح مديرا وبعدها مديرا جهويا، لا أخفي أنه كانت له كفاءة، يوصل بها على عجل الخبز إلى الفران، ثم عقد قرانا نفعيا، مع ابن خالة المدير العام، تحابا في خبثهما وصارا توأمان للمقالب. ابن خالة المدير العام، بوأه خاله منصبا، وهو القادم من حزب يساري، ليس كمناضل ولكن كظل، لبعض الوجوه المعروفة بالاتحاد الاشتراكي.
كان جلدة، يلتصق بالناس ويتآمر عليهم ببداوة، ويركب سيارة رباعية الدفع، وله منزل وظيفي بإحدى مؤسسات الدار البيضاء، وينال رتبة مفتش مركزي.. وصار يتنقل بين المؤسسات وعلى خاصرته كاميرا رقمية، يصور بها مراحيض المؤسسات ويوشي بمسؤوليها. كنت أعرف الجلدة والجلدة ولا تعرفني، وخبرته أنه كان موظفا بسيطا بغرفة التجارة والصناعة، ثم صار عن طريق خاله يفهم في التواصل، وفي التدبير الإداري، وفي التخصصات التكنولوجية، وصار مفتي داخل الإدارة. ولا يخجل من غباوته التي تنتفخ في بداوته.
لم أكن أهاب خاله، الذي رأيته يقول للناس لما قدموا له الإحصائيات، في بداية موسم ،تكويني عن معطيات الدروس المسائية والتكوين الأساسي وقيل له: أن نسب النجاح تراوحت ما بين 90 و 100 بالمائة انطلاقا من قناعات بيداغوجية النجاح التي تحكم مسارات التكوين المهني، فرد على قوم العارفين الميدانيين، أن هذه النسبة لا توجد حتى بلانازا. فاستغربت وقلت: بصوت مسموع أمام الملأ وكالة الفضاء الأمريكية ليست مركزا للتكوين المهني، هي مؤسسة للعلوم وأبحاث الفضاء. في ذلك اليوم تيقنت أن القضية سائقها جربوع، فقررت أن لا أصمت.

