الروح كأفق للسلطة: في ملامح الدبلوماسية الروحية المغربية نحو إفريقيا”
لقد ظلت السياسة الخارجية، في منظوراتها الكلاسيكية، حبيسة منطق المصالح المادية الصرفة: الاقتصاد، الأمن، التموقع الجيوسياسي. غير أن المغرب، في السنوات الأخيرة، يقترح مسارًا مغايرًا يعيد الاعتبار لمفهوم منسي في العلاقات الدولية: الروح. إنها “الدبلوماسية الروحية” كأفق استراتيجي، لا باعتبارها ترفًا رمزيًا أو خطابًا هوياتيًا، بل كأداة هندسة جديدة لتوازنات القوة الناعمة في القارة الإفريقية.
فمن خلال تجذير علاقة المغرب بعمقه الإفريقي في المشترك الديني والصوفي، لا سيما في ظل موقعه التاريخي كمرجعية روحية وشرعية إمامية، تُعاد صياغة أسس النفوذ بعيدًا عن منطق الإكراه أو الإغراء. فليست الهيمنة وحدها هي ما يصنع التأثير، بل القدرة على الإلهام، على “قيادة المعنى”، كما يقول إدغار موران. وهنا تتجلى عبقرية المشروع المغربي: الانطلاق من الروابط الروحية لا للنكوص نحو الماضي، بل لإنتاج مستقبل قاري يتأسس على المشترك العميق.
إن هذه الرؤية تتقاطع مع فلسفة القوة الناعمة عند جوزيف ناي، لكنها تتجاوزها؛ إذ لا تكتفي بجاذبية الثقافة أو المؤسسات، بل تضيف لها سلطة القيم. فالمغرب لا يروّج لنموذج استهلاكي أو نسق أيديولوجي، بل يقدم تصورًا للإنسان الإفريقي المتصالح مع ذاته، المتمسك بروحه، في وجه هيمنة نموذج تنموي معولم يفتقر للمرجعية الأخلاقية.
وتكمن فرادة الدبلوماسية الروحية المغربية في كونها ليست خطابًا فوقيًّا، بل ممارسة متجذرة: تكوين الأئمة من دول الساحل، رعاية الروابط الصوفية العابرة للحدود، دعم البنية الدينية المحلية دون تبعية. إننا هنا أمام شكل راقٍ من “التعاون الرمزي”، تتجاوز فيه السياسة حدود الدولة لتلامس معنى الجماعة المتخيلة، التي لا تربطها فقط المصالح، بل الإيمان والمصير الروحي المشترك.
غير أن هذا الخيار، رغم فرادته، ليس بمنأى عن التحديات. فهل يمكن للدين أن يكون أداة للتقارب دون أن يُستغل لأغراض ناعمة للهيمنة؟ كيف نوازن بين الانفتاح الروحي واحترام السيادات الدينية المحلية؟ ثم، أليس من المفارقة أن تراهن الدولة على الروح، في زمن تصاعد فيه الخطابات المادية والبراغماتية المتوحشة؟
إننا أمام مشروع في طور التكوين، يتطلب عقلنة وتجذيرًا فلسفيًا حتى لا يتحول إلى مجرد خطاب دعائي. فالدبلوماسية الروحية ليست بديلاً عن السياسة، بل أفقًا يعمقها، شريطة أن تُصاغ بلغة الحرية، لا بلغة التبعية، وأن تظل وفية لسؤالها المركزي: أي إفريقيا نريد؟ وأي روح لهذه القارة الجريحة؟

