الركراكي بين صافرات الاستهجان وقيمة الإنجاز:قراءة في مفارقات الجمهور المغربي

الركراكي بين صافرات الاستهجان وقيمة الإنجاز:قراءة في مفارقات الجمهور المغربي
بقلم : المصطفى الهيبة

لم يكن المشهد الذي رافق مباريات المنتخب المغربي الأخيرة :صافرات الاستهجان الموجهة نحو المدرب وليد الركراكي مجرد حدث عابر في مدرجات الملاعب، بل لحظة تكشف عن التوتر الكامن بين العاطفة الجماهيرية والذاكرة الوطنية.
فالرجل الذي صنع مجداً تاريخياً بوصول المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، يجد نفسه اليوم محل انتقاد قاسٍ، وكأن الإنجاز غير مسبوق سرعان ما طواه النسيان.
*من الدوحة إلى التاريخ:
حين قاد الركراكي أسود الأطلس في مونديال قطر، كتب المغرب فصلاً جديداً في كتاب كرة القدم العالمية:
أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ المربع الذهبي، بانتصارات مدوية على منتخبات كبرى مثل إسبانيا والبرتغال.
لم يكن هذا المسار مجرد إنجاز رياضي، بل حدثاً سياسياً وثقافياً، جعل المغرب في قلب التغطية الإعلامية العالمية، ورسخ قيم الوحدة والفخر لدى ملايين المغاربة والعرب.
*الجمهور بين العاطفة والذاكرة:
الجمهور المغربي، المعروف بشغفه الكبير، يميل في كثير من الأحيان إلى اختزال العمل الفني في نتيجة آنية أو أداء باهت في مباراة ودية أو رسمية.
لكن هذه القراءة العاطفية تتجاهل ما يؤكده علم الاجتماع الرياضي:
أن الرموز الوطنية تبقى جزءاً من الذاكرة الجماعية، ولا يجب أن تُقاس قيمتها بمقياس ظرفي.
الركراكي لم يحقق مجرد انتصارات، بل أعاد صياغة صورة المنتخب كقوة تنافسية محترمة على الصعيد الدولي.
*الدفاع عن الرجل لا عن النتائج فقط:
من غير المنطقي أن تختزل قيمة الركراكي في مباراة أو اثنتين.
الرجل أثبت أنه يمتلك مشروعاً كروياً واضح المعالم، قائماً على الانضباط، الثقة في العناصر الوطنية، والقدرة على إدارة ضغوط النجومية.
إنصافه اليوم لا يعني إنكار حق الجماهير في النقد، لكنه يعني الفصل بين النقد الموضوعي والتهجم العاطفي الذي يمسّ برمز وطني.
*الركراكي كقيمة رمزية:
أكثر ما يميز وليد الركراكي أنه ابن المدرسة المغربية، لاعب سابق حمل قميص المنتخب، ومدرب صنع مساره بصبر واجتهاد، من الفتح الرباطي إلى الوداد البيضاوي، ثم إلى قيادة المنتخب في أصعب اللحظات.
هو نموذج للمدرب المحلي الذي استطاع أن يثبت كفاءته على الساحة العالمية، في وقت ما زالت فيه العديد من المنتخبات الإفريقية رهينة للمدرب الأجنبي.
*نحو كأس إفريقيا 2025: الحاجة إلى الاستقرار والدعم
يستعد المغرب لاحتضان كأس إفريقيا 2025، وهو حدث رياضي قاري ضخم لا يمثل مجرد منافسة كروية، بل مشروعاً استراتيجياً لإبراز صورة المملكة على المستوى الدولي.
في مثل هذه اللحظات، يصبح الاستقرار على مستوى القيادة الفنية شرطاً أساسياً للنجاح. وليد الركراكي، بخبرته ورمزيته، يُعتبر الأقدر على قيادة هذا المشروع، لأنه يعرف جيداً عقلية اللاعبين المغاربة والمحترفين في أوروبا، ويملك رصيداً معنوياً يؤهله لتدبير الضغوط المرتبطة بتنظيم البطولة داخل الوطن.
دعم الجماهير له في هذه المرحلة الحساسة ليس فقط دعماً لمدرب، بل استثماراً في حلم جماعي عنوانه:
تتويج المغرب بالكأس على أرضه، وترسيخ مكانة الرياضة المغربية كقوة ناعمة قارية ودولية.
*خاتمة:
صافرات الاستهجان، مهما علت، لن تمحو من الذاكرة الجماعية ما مثّله وليد الركراكي:
رجل وحد الجماهير، رفع العلم المغربي في أعلى محفل كروي، وجعل العالم بأسره ينطق باسم المغرب بفخر.
الدفاع عن الركراكي اليوم هو دفاع عن قيمة الإنجاز الوطني ضد نزعة النسيان السريع، ودعوة إلى النظر للرياضة باعتبارها مشروعاً طويلاً لا ينتهي عند تعثر أو إخفاق عابر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *