الدولة الاجتماعية بين وهم التماثل ورهان الإنصاف الترابي

الدولة الاجتماعية بين وهم التماثل ورهان الإنصاف الترابي

بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع
باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب
ليست الدولة الاجتماعية مشروعًا تقنيًا يُختزل في برامج الدعم أو في توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، بل هي تصور شامل لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، أساسه الاعتراف بالتفاوتات المجالية باعتبارها معطى بنيويًا لا عرضيًا. فكل سياسة اجتماعية لا تنطلق من فهم عميق للمجال، تتحول إلى تدخل معزول، محدود الأثر، سريع الاستهلاك سياسيًا.
إن المجال ليس مجرد إطار جغرافي لتنزيل السياسات العمومية، بل هو عنصر فاعل في إنتاج التفاوتات أو تقليصها. فاختلاف الحاجيات بين القرى والمدن، وبين الجهات المركزية والمجالات الهامشية، يفرض منطقًا مغايرًا للتفكير العمومي، منطقًا يتجاوز المساواة الشكلية نحو الإنصاف الترابي الحقيقي.
لقد أبانت التجربة أن العدالة المجالية، بصيغتها الكلاسيكية، لم تعد كافية للإجابة عن عمق الاختلالات الاجتماعية. ذلك أن المساواة في توزيع الموارد، حين تُطبق على أوضاع غير متكافئة، تُعيد إنتاج اللاعدالة بدل معالجتها. من هنا تبرز ضرورة تبني الإنصاف الترابي كخيار سياسي وأخلاقي، يقوم على التمييز الإيجابي، وتصحيح الفوارق، وربط السياسات بالحاجيات الفعلية للسكان.
ولا يمكن تحقيق هذا التحول دون إعادة النظر في منطق إعداد وتنفيذ السياسات العمومية. فالمقاربات التقنية الصرفة، مهما بلغت دقتها، تظل قاصرة إذا لم تستند إلى تحليل سوسيولوجي للمجتمع، وإلى فهم جغرافي دقيق لبنيات المجال. إذ لا سياسة اجتماعية ناجعة دون معرفة دقيقة بمن تُوجَّه إليه، وأين، وكيف.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إدارة عمومية جديدة، لا تُختزل في النصوص والمساطر، بل تُفهم باعتبارها أداة لتكثيف السياسات الاجتماعية وتجسيدها ميدانيًا. إدارة قادرة على الإصغاء، وعلى التفاعل مع الطلب الاجتماعي، وعلى تجاوز منطق السلطة نحو منطق الخدمة العمومية.
إن إعادة الاعتبار للعلوم الإدارية ليست مطلبًا أكاديميًا معزولًا، بل شرطًا لإنتاج إدارة أكثر تواضعًا معرفيًا، وأكثر انفتاحًا على الحقول المجاورة. فالتقاطع بين القانون، والسوسيولوجيا، والجغرافيا، والاقتصاد، هو وحده الكفيل ببناء سياسات عمومية متماسكة وقابلة للحياة.
كما أن تكوين النخب الإدارية والقانونية يظل رهانًا حاسمًا في هذا المسار. فالنخب التي تتعامل مع المجال كمعطى ثانوي، أو كرقم في التقارير، تعجز عن إدراك عمق التفاوتات الترابية، وعن تحويل النصوص القانونية إلى أدوات فعلية للإنصاف.
إن الدولة الاجتماعية، في جوهرها، هي دولة القرب، ودولة الفهم العميق للمجال، ودولة السياسات المصممة على قياس الواقع لا على مقاس المركز. وكل تأخير في استيعاب هذا التحول، هو تأجيل غير معلن لمعالجة التفاوتات، وتوسيع لهوامش الإقصاء.
في الخلاصة، لا مستقبل لدولة اجتماعية قوية دون إنصاف ترابي فعلي، ولا معنى لسياسات عمومية طموحة إذا ظلت منفصلة عن المجال. فالمجال ليس خلفية صامتة للفعل العمومي، بل هو الامتحان الحقيقي لصدقية الدولة، ولقدرتها على تحويل العدالة من شعار إلى ممارسة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *