الحب والكراهية في زمن الجائحة
في هذا الصباح، أكدت نتائج التحاليل المخبرية، إصابة الحاج أحمد بالفيروس التاجي، كوفيد 19.
كل المخالطين داخل البيت، سارعوا لاقتناء البرتوكول العلاجي من الصيدلية.
صار البيت جحيما. رائحة المعقمات خانقة. وجوه بلا معنى تخفي خوفها بالكمامات.
بالغرفة الخارجة عن بهو البيت، والتي جرت العادة استقبال الضيوف بها. غدت المكان الذي يستريح فيه الحاج أحمد، على سريره الطبي.
سارع أوسط أبنائه، بمد أسلاك الشاشة المسطحة، أمام سرير والده المتعب، ثم طيلة اليوم لا تسمع إلا القراء الشرقيين، يرتلون آيات الذكر الحكيم بأصواتهم الشجية.
كل يوم تزداد فيه، انخفاض قدرات الحاج أحمد، عن الحركة. التنقل اليومي إلى الحمام، صار عذابا لا يطاق، مع ضيق الأنفاس والتعب الشديد والألم والـتأوهات المتقطعة.
سارعت للاتصال بأحد أصدقائي، الذي يعمل مكونا في شعبة الدعم الاجتماعي للمسنين، فأرشدني إلى خريج حديث، من المعهد وقال لي: إنه من بين الأوائل في الشعبة، ويمتاز بالتفهم لمعاني الدعم الاجتماعي والنفسي للأوضاع التي تطلبها حالة صهري.
في اليوم الموالي. التقيت الفتى اليافع حجاج بمقهى كابوتشينو. تعاقدت معه، على أجر الخدمة. ثم انتقلت به إلى البيت.
اقتربت من الحاج المتعب، والممد على سرير المرض المفاجئ، وخبرته في أذنه أن الفتى حجاج سيسهر على راحته وأنسه وحلاقة ذقنه وتدليك أطراف جسده السفلى.
ثار الحاج في وجهي: أنا أريد شخصا أدرك الخمسين، وأنت تأتيني بفتى يبدو أن الطيش، يلمع في تقاسيم وجهه الشيطاني.
دنوت من السرير أكثر، أخبرت الحاج أن الفتى قدم للتو من فرنسا ويجيد الرعاية وفق النظم الحديثة.
لم أكن أتوقع أن هذه الكذبة البيضاء، سيقتنع بها الشاب على الفور، وصار يحكي لأهل البيت، أنه قضى تدريبا بفرنسا ونال من أحد معاهدها شهادته العليا.
عبد الرحيم الشباب النحيف، كان يزور الحاج ثلاث مرات في اليوم. في كل مرة، يرتدي فيها لباسا واقيا. نظارات سمكية، غلاف بلاستيكي يشد به الرأس، قفازات زرقاء وواق لنعليه.
يبدأ الحصة بتهيئة المحلول الطبي بالمضادات الحيوية، يحقنها بقرب بلاستيكية، تمتد منها أنابيب رقيقة تصل بالمحلول إلى عروق ظاهر اليد اليسرى للحاج أحمد.
في البيت، ظل الخوف يكبر يوما عن يوم في نفوس أهل الدار، والجميع يحتاط من الاقتراب من الحاج أحمد، بدعوى أن المرض اللعين، لن يرحم أي واحد منهم.
الجائحة أبعدت الجميع، في أحسن الأحوال كان الزائرون يطلون برؤوس خائفة ومن بعيد على الحاج ثم ينسحبون.
العزلة، أبعدت الحاج عن أبنائه وإخوته، لكن الكل يراهن وبإلحاح على تتبع الوضعية وتطوراتها عبر الهواتف الذكية.
صرنا ثلاثة أشخاص فقط، نعيش يوميا تجربة إنسانية مع الحاج أحمد الذي يفترس الفيروس رئتيه بصمت.
حجاج صار أنيسا لا يقو الحاج على فراقه، بالليل والنهار، يوقظه فجرا ويطلب منه فتح باب الغرفة، لهواء الفجر.
الممرض في لحظات وجوده، يأتي كرواد الفضاء، يفتح العلب المعقمة ويستخرج الحقن والإبر ويشرع في تحضير البرتوكول العلاجي وفق مواصفات طبيب الإنعاش والتخدير..
في هذا الوضع، كنت أنشغل دوما بتشغيل هاتفي المحمول على أحدث فيديوهات الترفيه والغناء وأوجه شاشة هاتفي للحاج، لأصرف عنه ملل لحظات العلاج اليومي، وآلام وخز الإبر التي تترك في كل مرة زرقة داكنة على جلده .
في البيت زادت عزلة العائلة، لكن نفاقا اجتماعيا، كان ضروريا للخائفين ليحافظوا به على الروابط العائلية، التي صارت أكثر هشاشة مع الجائحة.
أما نحن الثلاثة، اكتشفنا مسارات أخرى وجديدة لحياة اجتماعية، يلفها الحب والمودة ونفجر لحظاتها بالضحك العالي وبالسخرية من الحياة.
أما كوفيد 19، تفاعلنا معه كوهم غير قابل لعزلنا عن إنسانيتنا، لم نسمح له أن يفتك بعلاقاتنا الحميمية، والدافئة كما فعل برئتي الحاج.
صرنا كل يوم نستأنس بجبهتنا الأمامية، كما علمتنا ذلك الدكتورة لطيفة من قسم المستعجلات. قالت لي: أن والدها قضى ثلاثة أيام بغرفة الإنعاش.
في الليلة الثالثة. احتضنته. ضمته بقوة لصدرها، وهو في حالة احتضار. كان زملاؤها في قسم المستعجلات، يحذرونها من إمكانية انتقال الوباء إليها، لكنها أصرت أن يكون الوداع بما يقتضي من حر الفراق.
لما كانت تكشف عن الحاج أحمد، جاءها الخبر بأن تحاليلها سلبية.
أشرقت عيونها فرحا، وغدت أكثر قوة على مواجهة الجائحة وهي تخاطبني، الجائحة انتشرت بقوة بيننا ولا مكان للتراجع في مواجهة هذا الوضع.
في تلك اللحظات، أكدت لي أن الحاج أحمد مصاب، وأن كل الواقفين أمام مكتبها ويحملون صورا من المقاطع المحوسبة للرئتين، تؤكد إصابتهم بالعدوى.
نظرت إلى الحاج وصاحت، إنه يشبه والدي، نسخة طبق الأصل من صورته. نادت ممرضا وأكد لها صدق انطباعها.
منذ تلك اللحظة، صارت تنظر للحاج أحمد بنظرة غريبة، وتهاتفني يوميا، لمعرفة تفاصيل وضعه الصحي، وتتداول مع أطباء آخرين في البروتوكولات العلاجية المطلوبة لتطور الوضع الصحي للحاج أحمد.
في ذلك الصباح، حدثت للحاج أزمة مفاجئة. نقل على وجه السرعة للإنعاش الطبي. كانت الدكتورة لطيفة، خائفة.
ركبت للحاج قناع الأوكسجين بضخ قوي. وظلت تراقب مؤشرات مجرى الأكسجين، في الدم ونبض دقات القلب، ثم أشارت إلى الشاشة المعلقة فوق السرير الانعاش. كل شيء على ما يرام.
طلب الحاج بإلحاح قوي العودة إلى البيت. في الصباح اتصلت بي الدكتورة لطيفة، باكية وعاتبتني عن إخراجه من غرفة الرعاية الطبية المركزة.
لم أبح لها، بأني لا أملك في هذا الوضع الحرج قرارا. ولم أخبرها بأن الحاج كانت أمنيته الأخيرة، أن يفارق الحياة بالبيت بين أحضان العائلة.
في الصباح زرت الحاج أحمد كالعادة، للاستفسار عن وضعه الصحي. وجدته متعبا لا يقوى على الكلام، وإلى جانبه الممرض عبد الرحيم والأنيس حجاج.
كان عبد الرحيم يقيس نبضات القلب، وفي عينيه يأس عميق، حدثني عن اقتناء حقنتين من المضاد الحيوي القوي، ثم لحق بي وهو في حالة اضطراب شديد ودعاني أن أعدل عن البحث عن الحقن.
الحاج المنهك، نداني للاقتراب منه وقال لي: أريد عاجلا الدكتورة لطيفة. إني أختنق.
بقسم المستعجلات، عثرت على الدكتورة لطيفة بغرفة الفحوصات، تواجه اكتظاظا للمرضى بالممر الضيق، إنه يوم مداومتها ولا يسمح لها بمغادرة المصلحة إلا في حدود العصر.
اقتنيت كأس عصير، وعدت به للحاج. أخبرته أن هذا الدواء حضرته الدكتورة لطيفة بالمختبر، سيخفف عنه الألم. وستراه فور الخروج من قاعة العمليات.
كان علي اللجوء للكذب في هذه اللحظات. وكان الحاج يأخذ روايتي بالصدق.
أخذ كأس العصير، تناول منه جرعات، كأنه الدواء ثم تثاقلت جفونه كأبواب تغلق ببطء.
الأوكسجين قارب النفاذ.
عيون الممرض عبد الرحيم يملأها الخوف. حجاج يصيح يا السي أحمد لا تركتني وحيدا.
في هذه اللحظات الأخيرة، كانت قربة الأوكسجين، يتباطأ انتفاخها حتى صارت كمنديل من الورق.
رحل الحاج ولم يترك لنا نحن الثالثة، سوى شريط من الذكريات الجميلة والرائعة، عن معنى مواجهة الحياة خارج نفوذ الخوف. لكننا، عشنا معه متعة التغني بالألم والانتصار عليه في تفاصيل صغيرة كانت تعيد للحياة ما تستحق.

