الحاجة إلى جبهة وطنية لقوى اليسار لتحصين مكتسبات التجربة الديمقراطية
قد يجمع الفاعلون والدارسون والمتأملون أن اليسار المغربي يعيش أزمة حرجة، يصعب تحديد كنهها بدقة وموضوعية. فهل هي أزمة هوية أم أزمة وجود؟ وهل هي أزمة بنيوية أم أزمة قيمية؟ أم هي بعض من كل ما ذكر؟
ولعل المقاربة المنهجية لهذه الإشكالية ينبغي أن تمر أولا عبر استحضار المسار التاريخي لليسار المغربي، وعلاقته باليسار العالمي، كما لا يمكن تشخيص مظاهر التأزم هاته بمنأى عن الشأن السياسي المغربي عموما وأزمة الأحزاب السياسية؛
وفي تقديري، يمكن تلخيص الوضع الراهن في السؤال التالي:
“هل أزمة اليسار المغربي هي انعكاس لأزمة القيم وتراجع االثقة في المؤسسات و انحدار الخطاب والممارسة السياسية عموما (تنامي الحركات الاحتجاجية وتكوين التنسيقيات)، أم هي إسقاط طبيعي لأزمة اليسار العالمي، أم هما معا؟”
عمر اليسار، كحركة سياسية تحررية وكتيارات وحساسيات فكرية بالمجتمع المغربي لأزيد من خمسين سنة من النضال والتواجد والإسهام من مختلف المواقع في صناعة الأحداث والتأثير فيها. ولئن كانت بدايات انبثاقه الأولى متصلة في جزء منه بالتحولات الكونية الكبرى، (الحزب الشيوعي المغربي نموذجا) ، أو في خضم المخاضات التنظيمية والإيديولوجية التي عاشتها بعض فصائل الحركة الوطنية، (نموذج انبثاق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من رحم حزب الاستقلال)، فقد استمرت بعد ذلك عمليات التطور والتعدد التنظيمي والفكري، المنبثقة كتيارات وتنظيمات جديدة لمجمل مكونات اليسار المغربي، من كلا المدرستين : التوجه الأممي المتمثل في الحزب الشيوعي المغربي، والتوجه الوطني القومي الاشتراكي للحركة الاتحادية للقوات الشعبية.
وفي المجمل، يمكن القول بأن مسارات وتحولات وتقاطعات وانشقاقات الأسرتين اليساريتين، في كل مرحلة من مراحل الصراع السياسي والإيديولوجي حول البدائل المقترحة كمشاريع مجتمعية لتحديث ودمقرطة الدولة والمجتمع، شكلت في مجملها، حركة سياسية تتموج في ثناياها مختلف الحساسيات الفكرية والمدارس السياسية ذات المرجعيات الإيديولوجية المتفاعلة من جهة، مع ما كان يعتمل في الساحة الدولية من تقاطبات وصراعات وتمايزات بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والصين، والمعسكر الليبرالي بقيادة أمريكا وحلفائها الأوربيين. ومن جهة أخرى، شكلت القوى والتيارات اليسارية بالمغرب، ديناميات سياسية تحررية أسست إلى جانب قوى وطنية ديمقراطية وأخرى محافظة، لانبثاق وتشكل وتطور مسارات الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، ثم تحول جزؤها اليساري فيما بعد الاستقلال إلى قوى معارضة للتوجهات التقليدية والسلطوية في ما يخص بناء اقتصاد ومؤسسات الدولة المغربية المستقلة، في مختلف أبعادها الوطنية والتزاماتها الإقليمية والدولية.
لذلك، فقد كان من الطبيعي، أن يتشرب اليسار ضمن مساراته النضالية والكفاحية والتدبيرية لاحقا، الكثير من السلوكيات والممارسات السياسية للسلطوية، سواء من خلال اعتمادها لنمط تنظيمي مركزي أو من خلال أسلوب التنشئة الفكرية والسياسية لمنتسبيها، كما تأثرت حركات وقوى اليسار أيضا، في مضمار تطورها وانغراسها في التربة المغربية، بخصوصيات البلد القبلية والثقافية والذهنية، فأصبحت بذلك، نماذج تنظيمية وتشكيلات حزبية وتيارات فكرية تمتح من معين الفكر الاشتراكي واليساري الأممي، لكن بخصوصيات وبألوان مغربة مميزة في البناء والأداء.
وللتاريخ، فقد لعبت مكونات الرعيل الأول والثاني لمجمل القوى اليسارية بالمغرب على امتداد عقود من النضال والتأطير والمشاركة النقدية في تدبير الشأن العام، أدوارا بطولية وقدمت تضحيات جسام في سبيل تحرر المغرب وانفتاحه واندراجه في الأفق التحديثي، الأمر الذي أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه اليوم من تحولات وتطورات، عبر مسلسل طويل من النضالات والتوافقات مع باقي المكونات الأساسية للمجال السياسي وعلى رأسها، المؤسسة الملكية، باعتبارها المؤسسة الناظمة للتوازنات الكبرى للعملية السياسية بالمغرب. لكن هذا اليسار، الذي ساهم بنصيب وافر من العطاء في تطور التجربة الديمقراطية ببلادنا، يعيش اليوم “أزمة تنظيمية وتشتتا فكريا ومفارقات برنامجية وتمزقات في الوجدان والهوية”…
لذلك، فكل مكوناته السياسية والنقابية والحقوقية والمدنية، مطالبة اليوم، بخوض ثورة جديدة على الذات بكل جرأة وفكر نقدي لتصحيح اختلالات وأعطاب المسار والممارسات، كما أنها مدعوة للاشتغال على بلورة تصورات تنظيمية وتجديدية للخطاب والممارسة على أسس استشرافية تدمج الأجيال الشابة والجديدة في ديناميات العمل السياسي لرد الاعتبار للممارسات الحزبية الديمقراطية التداولية النبيلة. هذا هو الرهان الكبير والتحدي المصيري الملقى على عاتق النخب الفكرية والمناضلات والمناضلين اليساريين(ات) المتنورين(ات)، لأجل النهوض بواجباتهم(ن) تجاه وطنهم(ن) ولتحصين التجربة الديمقراطية الفتية من الأخطار المحدقة بها، جراء سطوة الجماعات الظلامية الرجعية وحليفتها الليبرالية المتوحشة على الدولة والمجتمع…فاليسار اليوم أمام امتحان تاريخي كبير:إما أن يكون أو لا يكون.
تشخيص أسباب و مظاهر الأزمة
*ضعف الآلة التنظيمية وغياب دوران حقيقي للنخب؛
*الازدواجية بين الخطاب والممارسة (قضايا النساء والشباب والموقف من الحركات الاحتجاجية نموذجا)؛
*التشرذم الذي يتجاوز الانقسام الطبيعي(اليسار الجذري ويسار إصلاحي)، حيث أصبحنا نميز اليوم بين يسار حكومي، ويسار يعارض من داخل المؤسسات، و يسار رافض أصلا لهذه المؤسسات .كما نشهد شبه غياب لنقاش عمومي مؤسس وتواصل ايجابي بين أحزاب اليسار في ظل التهافت على الغنائم والمناصب والدخول في مزايدات سياسوية عقيمة، والصراع على المواقع بين قوى اليسار، البراغماتية المفرطة وتغليب المصالح الشخصية والنفعية الضيقة والتمسك بالكراسي عوض التنافس على خدمة مصالح الجماهير الشعبية ؛
*دخول أحزاب اليسار في عزلة جماهيرية واضحة المعالم، نتيجة أفول الأدوار التأطيرية خصوصا في أوساط الشباب والتواجد إلى جانب الفئات المهمشة والتي هي غاية وجود اليسار؛
*المقاربة الاحسانية واستغلال المعتقد واستخدام الدين كمطية للجماعات المتأسلمة التي ملأت الفراغ الذي تركه اليسار في ظل “تبرجز” القيادات السياسية ؛
في كل أزمة فرصة للنهوض
أمام هذه الصورة القاتمة لمشهد اليسار المغربي، لا ننسى أن التاريخ علمنا أن القوة تنبعث في أغلب الأحيان من الإصرار على التغيير ومجابهة مكامن الضعف. إنها اذن مسؤولية تاريخية ملقاة على عاتق كل الطبقات الشعبية: الطبقة العاملة والكادحات والكادحين في البوادي والمدن، والبرجوازية الصغرى و البرجوازية المتوسطة وكل الشخصيات و القوى المتنورة التي تطمح إلى تمثيل الطبقات الشعبية وتناضل من أجل مصالحها المادية والمعنوية والاستراتيجية، والتواقة للتغيير والمتشبعة بقيم الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية والتي تهدف للنهوض باليسار ولم الشتات والعودة للجماهيرية الشعبية والنضال المبدئي الذي يسمو فوق الاعتبارات الذاتية والأنا ومنطق الزعامة الذي أفل ولم يعد له معنى اليوم.
إن المتأمل المتأني والناقد الرصين واع تماما بأن جذوة اليسار لم ولن تنطفئ في مجتمعنا المغربي بدليل الوعي المتنامي الذي تعكسه مختلف الفئات الاجتماعية من خلال احتجاجتها السلمية والراقية في تعبيراتها والعميقة في أبعادها الحقوقية والمواطناتية، خصوصا اذا استحضرنا التواجد الوازن لليسار في المجتمع المدني وفي منظمات جماهيرية حقوقية ونقابية محترمة، حيث يقود اليسار ويناضل في العديد من التنسيقيات، الفئوية أو الموضوعاتية كما يدعم العديد من الحراكات الشعبية التي انخرط مناضلاته مناضلوه فيها بالعديد من المناطق بالمغرب؛
لأجل كل ما ذكر، في تقديري واهم من يعتقد بأفول اليسار، بل ان المغرب اليوم، بالنظر للأزمة المتعددة الأبعاد والأوجه التي يعيشها اليوم، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وقيميا… أحوج ما يكون، وأكثر من أي وقت مضى، ليسار قوي، ملتحم بهموم وآلام الطبقات الشعبية الكادحة، قادر على رفع أكبر تحد راهن وهو النضال المستميت في سبيل إرساء ديمقراطية حقيقية و التحرر الوطني من هيمنة الإمبريالية الغربية وهذا لن يتأتى في تقديري، إلا ببناء جبهة يسارية ديمقراطية تضم القوى والشخصيات الديمقراطية، السياسية والنقابية والحركات الاجتماعية والحراكات الشعبية والاشتغال من داخل المؤسسات (على علاتها)…

