الإسلام السياسي في المشرق و المغرب أية علاقة؟؟؟
أثارت الإنتخابات الأخيرة بالمغرب بعض الجدل حول علاقة التدين السياسي المحلي بموجة التدين السياسي في العالم العربي..يعتقد البعض أن هذه العلاقة يميزها (الإستثناء المغربي)، لا شك أن خسارة العدالة والتنمية المدوية في هذه الإنتخابات شجعت هؤلاء على هذا الرأي، بما يشبه تهافت سياسي لحرق مراحل أخرى لم يبدأ المغرب بعد خطواته الأولى فيها وبالأحرى أن يكون قد حسمها لصالحه وقضي الأمر ((قطع الواد و نشفو رجليه))..هم فقط ينعتون هذه الخسارة بما هو أكبر من حجمها الطببعي على المستوى الوطني والإقليمي!!!
هزيمة العدالة والتنمية كانت مذلة فعلا.. لكنها “منظمة”حتى الأن في صندوق إنتخابي.. و يبقى تقييم ولايتين من حكم الإسلاميين على هذا النحو يرجح عودتهم إلى السلط بنفس الطريقة مستقبلا ليتحول الأمر إلى مغامرة يدخلها البلد لأول مرة في تاريخه المعاصر بعيدا عن سردية الدولة وكثير من النخب.. سيكون الوضع حينها متخلفا جدا عن ما تحققه اليوم التجارب الأخرى في الإقليم..لذلك خيار الترويض وسياسة الإحتواء تضل أقل أهمية وجدوى مما حدث في مصر مع جماعة الإخوان على سبيل المثال خلال ثورة 30 يونيو وعن ما يحدث اليوم في تونس كذلك[الإخصاء]. الصراع مع الأحزاب الدينية بمنطق الصدام قضية تاريخية وليس سياسية.. لذلك لابد أن يكون النصر والهزيمة محكومين بمبادئ الصراع المدني على السلطة(كما هو دون تزييف)، التفاوت الوحيد هنا بين المحلي والإقليمي نسجله فقط في الفرق الواضح في درجة إستشعار القلق من ظاهرة الأحزاب الدينية لدى المغاربة وغيرهم من شعوب المنطقة.. لذلك وصف هزيمة إنتخابية لحزب ديني واحد (تجربة واحدة) بأنها هزيمة سياسية عرفها تنظيم كباقي التنظيمات الحزبية الأخرى في وطن تروج فيه النخب قبل السلطة والشعب لموقف الإستثناء يبقى سلاح دو حدين، فهو إنجاز يحسب للدولة وحدها في هذه المرحلة من الصراع مع معضلة التدين السياسي (وهو أمر غير مرضي وغير مطمئن) وفشل فكري تعاني منه النخب لتعطيل مشروع دولة الإخوان(في عدة نسخ ممكنة) ونقض مشروع الدولة للتصدي له.
تلك الأصوات وبمنطق الخصوصية والإستثناء ذاتهما لابد أن تعتقد أن العاصفة التي حملت الحزب الإسلامي المغربي إلى الحكم مباشرة على الأكتاف لعشر سنوات كاملة كانت بمعزل عن حرق البوعزيزي نفسه في الشارع العام وإنطلاق شرارة “الربيع العربي” يبدو أن عقلية التنوير لدى “الحداثيين الجدد” المغاربة تعاني من أزمة في التفكير المدني.. يعتقدون أن هزيمة “الإسلاميين” في الإنتخابات الأخيرة هي فعلا أكبر من مجرد حدث ثانوي على هامش صراع قرسطوي طويل الأمد مع معضلة التدين السياسي.. وبمنطق هذا التاريخ الذي يكتبونه بأيديهم هزيمة قسمت ظهر البعير..يحتاج الأمر إلى تمحيص فكري وإجتماعي وسياسي في واقع البلد لفهم أسباب هذا التأخر..الجميع سيكون مطالب بتقديم أجوبة أكثر جرأة عن هذا الوضع بعد أن يتبوء الإسلاميون من جديد مكانة”مرموقة”في الصراع على السلطة بالصناديق أو بدونها في المستقبل.. وكذلك بمسلك الخصوصية الذي يبتهجون به اليوم سيحدث ذلك..منطق عمودي في فهم وتفسير ظاهرة التدين السياسي مثقل بالكثير من النوايا الحسنة يفصل بين المحلي والإقليمي دون وعي بحقيقة المعضلة وخطورتها التي تزداد حدة وصعوبة مع مرور الوقت مع أحزاب دينية أصبحت فجأة تتصدر واجهة الصراع على السلطة في المنطقة. ويا للعجب هذه الأحزاب اليوم هي في قلب المعركة كذلك من أجل الديمقراطية ومدنية الدولة!!!؟؟؟ دائرة الخواء العظيم هاته لا تتوسع فقط بنشر الإشاعات حول الإيمان بالوطن بين الجماهير المغيبة بالدين[ ] بل من خلال نتائج أي فشل محتمل في قراءة مستقبل الصراع على السلطة قراءة متأنية وعميقة لا تمس حياة الدولة وحدها التي نطمح أن نعيش فيها بسلام وكرامة بل قد تقضي على أمال الجميع في التغيير المنشود وغد أفضل تنتظره الأجيال القادمة.
عذرا..المغرب هنا ليس “إستثناء” ولا جزيرة خضراء في محيط هائج بأسئلة دينية وفكرية كبرى كعلاقة الفرد المؤمن “بالدولة المؤمنة” والفرق بين “إيمان الفرد وإيمان الجماعة” وأحكام الناس “الأخروية والدنيوية حول تدبير الشأن العام” و”العمل الخيري لوجه الله ولأجل مقاعد إنتخابية لقيادة الدولة” والتسلق الإجتماعي الطارئ بإستغلال المقدس..وما مدى حاجة المجتمع والدولة إلى أحزاب دينية أصلا لبناء دولة مدنية حديثة!!! وما هي الفائدة والمصلحة التي تراها الدولة في رعاية هذه الأحزاب لتحقيق ذلك في ضل واقع دولي وإنساني محكوم بالتطور العلمي والفكري الهائل وغيرها من الأسئلة التي لم نبدأ بعد في طرحها وبالأحرى أن نكون قد بدأنا في تقديم الإجابات عنها.. وفي نفس الوقت أين تقف أدور السماء في الوعي الديني الجماعي للمؤمنين لخفض نسب الفقر والقمع لتبدأ مسؤولية الحكام عنها..هي المجتمعات ذاتها التي تتكرر فيها هذه المعانات بنفس القدر الذي تتكرر معه أهمية هذه الأسئلة الغائبة..أين هو هذا “الإستثناء” حتى يغرينا إذن!!! فقط محاولة الإقناع مع الترويج له تصبح أكثر صعوبة.
المفكر والمؤرخ المغربي الكبير “عبد الله العروي” على نحو مفاجئ دافع عن هذه الخصوصية لضبط الحقل الديني بالمغرب!!! ومع ذلك يخيفني كثيرا تطفل آخرين على تاريخ هذا البلد دون دراية ولا إطلاع جيد وربما فقط لأسباب سياسية..عندما نتحدث عن هذا التاريخ بموضوعية وعن النص الديني بعيدا عن إملاءات السياسيين والنخب الهزيلة لا نحتاج إلى ذكاء مميز حتى ندرك أن المغرب بالفعل ليس جزيرة في محيط ولا أن التمييز بين النوايا الحسنة وبين الواقع صعب للغاية إلى هذا الحد[ ]…الروابط الدينية والثقافية بين المشرق والمغرب ليست فقط موجودة وقوية للغاية اليوم لكنها ضاربة في عمق التاريخ كذلك{ } عندما فر إدريس الأول إلى المغرب قبل ثلاتة عشرة قرنا واختبأ في منطقة زرهون عند الوالي العباسي إسحاق بن محمد الأوروبي كانت سلطة العباسيين على هذا البلد في تعيين الولاة وعزلهم قوية للغاية..إسحاق هذا كما تذكر كتب التاريخ خلع طاعة العباسيين من عنقه وبايع إدريس الهارب من بطش أبناء عمومته ودعى القبائل المجاورة إلى بيعته.. وكذلك سلطة الأمويين على المغرب قبل حكم العباسيين ضلت قائمة حتى قبل ولاية زهير بن قيس البلوي زمن خلافة عبد الملك بن مروان (القرن الأول للبعثة)..أما السلالات الحاكمة بعد عهد الأدارسة كلها حكمت بالدين ولازالت تحكم به كعقيدة وسياسة إلى اليوم يتقاسم المشرق والمغرب هذا التاريخ منذ قرون طويلة(حكم الرعية بالدين)..وحتى العلاقة الوطيدة بين العثمانيين والمغرب يفترى عليها لأسباب سياسية؟؟؟ ٠عندما تدخل الباب العالي عسكريا لصالح السلطان السعدي أبو مروان عبد الملك في معركة واد المخازن ضد البرتغاليين(1578م) وحليفهم الخائن(كما تصفه المصادر) السلطان المخلوع “المتوكل على الله” كانت الدولة في المغرب تخطط لحماية نفسها من أطماع الغرب المسيحي بالإحتماء بالخلافة العثمانية وكان الأتراك مرتاحون لذلك ويعتبرون أن الحكم في المغرب إمتداد لسلطتهم الفعلية الدينية والدنيوية على العالم الإسلامي بما فيه المغرب الأقصى.. يقول الدكتور “فاضل بيات” المتخصص في التاريخ العربي في العهد العثماني: “إبتداء من حكم عبد الله الطالب كانت الدولة العثمانية تتصرف وكأن المغرب تابع لها وتتعامل مع السعديين كما تتعامل مع الحفصيبن في تونس والأشراف في مكة”.
لكن في واقع الأمر الأمثلة على سلطة العثمانيين في توجيه الصراع على الحكم بالمغرب والأندلس كما تقتضيه مصلحة الباب العالي كثيرة جدا..المعنى المستخلص هنا هو أن إعادة تاريخ الصراع على الحكم بالنص في العالم العربي والإسلامي بطرق متجددة لم يتوقف يوما وفي كل مرة يكون الوضع أكثر تخلفا من سابقه..لقد تحولت أطروحة الأحزاب الدينية حول الحكم على سبيل المثال في واقعنا اليوم إلى فكرة قابلة للحياة في بيئة تزداد تخلفا تحت تصفيقات الجميع يتقدمهم “اليسار الإخواني” كإفراز من إفرازات المرحلة تعبر أفكارهم حدود الجغرافيا شرقا وغربا حالمين بالتغيير نكاية في كل الأسئلة الفكرية الكبرى حول موضوع الدين والسياسة.
عندما أطلق حسن البنا مشروع تنظيم الإخوان أواخر العقد التالث من القرن الماضي كان يعرف جيدا الحقيقة التي تغيب اليوم عن بعض الحداثيين في المغرب..كان يعرف أن الصراع على السلطة في العالم العربي من أجل دولة الخلافة صراع أفقي وليس عمودي بما هو صراع حول فكرة الدولة الدينية(حتمية الخلافة) ويعني بذلك جميع دول المنطقة من الخليج إلى المحيط..بل أن بعض القراءات المغرضة للنص تقول بفكرة الصحوة الدينية القادمة من المغرب الأقصى لإعادة حكم الخلافة على المشرق والمغرب؟؟؟ أهل الحل والعقد يعرفون عند الحديث عن النص لا يستطيع أي مريد أن يخالف شيخه في الرأي.
تعارض تصورنا مع الأحزاب الدينية ليس بما قاموا به من أعمال مخالفة للديمقراطية فقط بل حول ما لم تتيح لهم الفرصة القيام به حتى الأن لأسباب مختلفة بما فيها الوضع السياسي الذي يكيفون معه وبه عقيدتهم السياسية وتفسيرهم للنص في انتظار ساعة الصفر (تغير موازين القوى) ولهذا السبب بالضبط كان يصرخ زعيم العدالة والتنمية المعزول إبان أحداث 2011 في الجماهير الفقيرة المسحورة بالدجل والجوع من أجل ترأسه للحكومة ويخير الدولة المغربية بين حكم الإسلاميين واستقرار البلد..اليوم هذا الشخص وحزبه غير قادرين على فعل ذلك ليس بسبب التقاعد المريح ولا لأن الحزب “الإسلامي” مروض وممخزن كما يعتقد البعض ولكن لأنه حزب ضعيف وعاجز عن القيام بأي رد فعل ضد الدولة بسبب الواقع الدولي والإقليمي الجديد ولمن يعتقد أن الحزب الديني في المغرب ليس هو الحزب الديني في المشرق عليه ان يجيب عن هذا السؤال الذي طرح ابان إنتفاضة الشعوب في 2011 ماذا لو لم ترضخ الدولة لتهديدات الزعيم المتقاعد لها من أجل رئاسة الحكومة في تلك الفترة؟؟؟؟ الآن وبعد أن حاصر ذكاء الدولة أطماع وأفكار هذا التنظيم أصبحنا نروج للقطيعة مع أصولية المشرق؟؟؟!!!! الفكرة لا تموت أبدا..وماذا لو لم نصبح ديمقراطيين وفشلت البدائل الأخرى في المستقبل..الجواب على لسان القيادي في العدالة والتنمية المدعو أفتاتي حول السيناريوهات الثلاث التي تنتنظر المغاربة بعد هزيمة حزبه المذلة في الإنتخابات الأخيرة ( 1)ملكية برلمانية2) انقلاب عسكري3) ثورة شعبية) هكذا وبكل عدوانية يهدد البلد الذي حكمه حزبه لعشر سنوات كاملة بفشل ذريع.
إن زمن الصراع الفكري ليس هو زمن الصراع السياسي لذلك يضل التقليد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية واقع ينطبق على الجميع مهما بلغ “نبوغ” بعض أنظمة الحكم في ترويد درية حسن البنا.

