الآجال الاسترشادية للبت في القضايا بين مقتضيات الدستور وإكراهات العمل القضائي
بقلم : بوشعيب نجار
في سياق تفعيل المقتضيات الدستورية المرتبطة بالحق في المحاكمة العادلة، أصدر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية قرارًا يحدد الآجال الاسترشادية للبت في القضايا المعروضة على المحاكم، استنادًا إلى الفصل 120 من دستور المملكة المغربية، الذي ينص على أن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.
القرار الصادر بتاريخ 21 دجنبر 2023 تحت عدد 7-1244، حمّل المسؤولين القضائيين مسؤولية تتبع تطبيق هذه الآجال، والعمل على تجاوز الصعوبات المرتبطة بالإدارة القضائية، كما دعا القضاة بمختلف محاكم المملكة إلى اعتمادها مع مراعاة التطبيق السليم للإجراءات المسطرية وضمان حقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة. ويستند هذا القرار إلى رؤية تروم عقلنة تدبير الزمن القضائي وتحسين نجاعة البت في القضايا، بما ينعكس إيجابًا على ثقة المواطن في العدالة.
ولا جدال في أن الفصل 120 من الدستور جاء في محله، باعتباره يكرس مبدأ أساسيًا من مبادئ العدالة الحديثة، كما أن قرار الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية يُعد خطوة صائبة في اتجاه تجويد الخدمات القضائية داخل المحاكم، والحد من مظاهر البطء التي ترهق المتقاضين. فالآجال الاسترشادية، من حيث المبدأ، تشكل آلية تنظيمية تهدف إلى تحسين أداء المحاكم وضمان قدر أكبر من الفعالية.
غير أن الواقع العملي يبرز تحديات حقيقية، إذ يجد القاضي نفسه اليوم تحت ضغط يومي متزايد، بين الالتزام بمقتضيات الفصل الدستوري من جهة، والعدد الكبير من الملفات التي تحال عليه بشكل مستمر من جهة أخرى، سواء تعلق الأمر بالقضاء العادي أو الاستعجالي أو الجنحي. هذا الضغط المتواصل لا يؤثر فقط على وتيرة العمل داخل المحاكم، بل يمتد ليطال الحالة النفسية والجسدية للقاضي، في ظل مسؤوليات جسيمة ومتطلبات زمنية صارمة.
وأمام هذا الوضع، يطرح سؤال جوهري حول ضرورة مواكبة الحكومة لهذا التوجه الإصلاحي، من خلال تعزيز الموارد البشرية داخل القطاع القضائي، سواء عبر الرفع من عدد القضاة أو دعم مصالح كتابة الضبط، بما يساهم في تخفيف الضغط عن القاضي والمتقاضي على حد سواء. فنجاح أي إصلاح قضائي يظل رهينًا بتوفير الشروط الموضوعية لتنزيله، وفي مقدمتها الموارد البشرية الكافية وظروف العمل الملائمة.
وفي المحصلة، فإن تحديد الآجال الاسترشادية للبت في القضايا يشكل خطوة مهمة نحو تحقيق الأجل المعقول المنصوص عليه دستوريًا، غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي مقاربة شمولية وتكاملًا بين مختلف المتدخلين، حتى لا تتحول هذه الآجال إلى عبء إضافي، بل إلى وسيلة فعلية لتجويد العدالة وضمان الإنصاف.

