افتتاحية مجلة24: خبايا سياسة الكهان
لم يعد هناك من شك، أن أحزابنا الوطنية، أنتجت ظواهر هي في حاجة للدرس والتحليل من طرف نخبنا في العلوم السياسية ومجالا خصبا أمام الدرس الأكاديمي، لتأمل هذه التداعيات التي التصقت بتجاربنا السياسية الراهنة وتفردت بها.
الأحزاب كل الأحزاب، اليوم لم تعد منسجمة، مع وظائفها في تأطير المواطنين، ولمهم على مشاريع وأفكار، تقدم الأجوبة لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع المغربي في مستقبله، كما لم تعد معنية باعتبارها، مدارس للتربية السياسية، بتوفير البرامج التكوينية، لتطوير قدرات ومؤهلات مناضليها، في التعاطي مع قناعاتها التي تدعو لها وتهيئهم للنقاشات العمومية دفاعا عن تصوراتهم، التي لا ينبغي لها أن تكون متماثلة مع قناعات باقي الأحزاب.
اليوم صار الواقع يؤكد، أن أبناء عبد الواحد واحد. وهذا التخلي عن القناعات الفكرية والإيديولوجية والسياسية، عبر عنه أحد الأمناء العامين بالقول: أنه لا ينتظر من الشباب، أن يكونوا على علم وإلمام بتطورات الفكر الاشتراكي العلمي، ليجوز لهم الانخراط بمؤسسته الحزبية، التي يشهد لها التاريخ، أنها انتجت رجالات من المثقفين المرتبطين بهموم التعبير عن الثقافة العمالية، باعتبارها النقيض المباشر لتصورات وتطلعات الفكر البرجوازي، وكان لها الفضل في تقديم رؤى سياسية في الفكر الاقتصادي وعلم الاجتماع المغربيين، هذه المؤسسة الحزبية التي رسخت بقوة للانحراف السياسي، حين تعاقدت مع الإخوان المسلمين في تحالف، أنتج بالحجة والدليل والبرهان القاطع، تدميرا قويا للمكاسب الاجتماعية، للطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية، وحتى الفئات المتوسطة، لم تسلم من تداعيات الأزمات الاجتماعية المتوالية. ولما جاء الطلاق، لم تستحضر هذه المؤسسة الحزبية ثقافتها القديمة في ضرورة القيام بالنقد الذاتي، بالشجاعة والمسؤولية التي تستدعيها الأوضاع الوطنية، بل برز أحد أقطابها للدفاع بالباطل عن الباطل الذي كان زهوقا.
لقد اقتنع الناس وعلى رأسهم الشباب اليوم بحقائق تفيد ، أن بالسياسة يمكن تحقيق الغنى، كما فعل الأولون الذين يتمتعون اليوم بالسيارات الرباعية الدفع، وراكموا الأموال من امتيازات الريع الأعمى. هذه هي السياسة اليوم، التي أنتجت آلتها كائنات، انتخابية تتهافت على الانخراط بالمؤسسات الحزبية، والبحث عن استثمارات لتعزيز دوران الآلة الحزبية. في كل المدن والمداشر، الناس محمومة في البحت عن المؤسسة القابلة لاحتوائهم، للاستحقاقات القادمة وصاروا يتكهنون، بالأحزاب التي لها قيمة في هذه السوق التجارية.
غابت الأفكار، التي غابت قبل هذا، بلجنة النموذج التنموي الجديد، وحل محلها، استدراج الناس من الآن بالوعود الكاذبة، والعطايا من تحت وفوق الطاولات، ونشطت عمليات كراء المقرات وطلائها بألوان الزينية كوجوه العرائس الطاعنة في السن. وظهر كهان جدد يضربون أخماسا بأسداس في المقاهي. ولا أحد ينتبه للانفجارات القوية التي أصابت الحزب الحاكم وباتت تؤشر لتصدعاته القوية، لكنه هو الآخر لم يعد فقط يراهن على أذرعه الدينية، وجمعياته الخيرية القديمة، بل أخذ مواقع من قلب بعض المؤسسات التعليمية، وغدا يدفع بمؤطريه، للتسلط على برامج وطنية لإعادة إنتاج قناعات أن ما عاشه المغاربة من إجراءات لم تكن لهم فيها يد وينسبونها إلى شياطين رجيمة.

