افتتاحية مجلة 24 : مفارقات سلوكية في التدين العصري
يصعب اليوم، فهم ظواهر التدين، لدى شرائح واسعة من المغاربة، العبادات في العقيدة الإسلامية، لها ارتباطات قوية بسلوكات ومواقف الناس اتجاه بعضهم البعض، ومواقفهم اتجاه أنفسهم، حيث وردت آيات كثيرة، في النص القرآني ترتبط بالمعاملات، وتحث على القيم الرفيعة، التي وجب على المؤمن التشبث والتقيد بها، وإن زاغ عنها، يأتي الاستغفار كرادع ومنبه للحيلولة دون استمرار النزعات العدوانية.
لكن ما الذي يحدث لدى الناس في ممارساتهم اليومية، يصدون عن هذه التعاليم ولا يسيرون على نهجها، ولم يتبينوا بعد أن النبي المصطفى، جاء بمكارم الأخلاق، وجاء رحمة للعالمين، وأعطى في حياته، رسائل في التسامح وفي الصدق وفي الأمانة، ولا يخبروننا من اعتادوا الصلاة عليه، عبر الفايس بوك بتذكيرنا أن هذا النبي العظيم، كان يتيما وامتهن رعي الأغنام ثم التجارة لكسب الرزق الحلال، والقناعة إن وجد ما يسد به الرمق. لم نسمع عنه بدخا ولا تباهيا، بل تواضعا، مكنه من احتلال قلوب، سبق لها أن قاومته أشد المقاومات، فقال له رب العالمين في محكم كتابه: فبما رحمة من الله لنت لهم ۖ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ۖ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ۖ فإذا عزمت فتوكل على الله ۚ إن الله يحب المتوكلين.
فما كان يجذب الناس إلى رسول الله، هي هذه الأخلال ورقة المعاملات وفضائل السلوك، لكن أغلب الناس، الذين لم تكتشف قلوبهم هذا الإيمان العميق، تراهم يتدافعون نحو المساجد، ويتبارزون في حفظ القرآن لدى جمعيات دينية، وليس تدبر محكم آياته. صار الأمر شبيها بالموضة، وتشجع على هذا المذهب هذه الجمعيات التي جعلت من النساء يفتون في المجامع وبعضهن لا يحسن حتى القراءة كما يفعل بعض باعة البخور وأعشاب الفحولة.
يتناسون أن كتاب الله، خص جوانب العلاقة بين الخالق والمخلوق، في حوالي عشرة بالمائة وهي علاقة شخصية، ولم يضع الخالق وسيطا بينه وبين عباده وجعل الركن الأساس، هو الإقرار بوحدانية الله، لا إلاه غيره وهو مدبر الكون. وعدم الشرك به. في حين خص المعاملات بين الناس، بتسعين بالمائة وأورد الله قصصا، الحكمة من ورائها تأمل طباع البشر بين الخير والشر. لكن من اتبعوا الفتاوي المستوردة، انسلخوا عن هذه المقاصد واستبدلوها بقلب العلاقة الواردة في النصوص القرآنية، فما الذي أنتجه هذا الفهم المجانب للصواب؟
أنتج مفارقات كبرى، حيث أن أكثر الناس تدينا على الشاكلة المستورة، هم أقل الناس طمأنينة، ويتشككون في كل شيء، وقلوبهم مليئة بالحقد، وعوامل الفتنة. أليس من الطبيعي أن يكون الإنسان المؤمن هو المطمئن؟ حيث يعرف الحياة ومساراتها، وله دراية بالموت، التي لا تنتهي به الحياة، إنما تأتي أخرى يكون فيها في لقاء الإنسان مع خالقه، لكن أكثر الناس لا يدركون هذا الاطمئنان، لأن هناك من سوق لهم على هواه الجزء المتعلق بالعبادات، وانحرف به عن مساره، وغدا يتاجر به وصولا لقضاء المآرب السياسية كما فعلت اتجاهات سياسية ببلادنا وهي التي فرخت تعاطيا جديدا مع الدين لا ينسجم مع التراث الفقهي المغربي ولا مع قراءاته.

