افتتاحية مجلة 24: الفزع الاجتماعي

افتتاحية مجلة 24: الفزع الاجتماعي
بقلم فؤاد الجعيدي


صادفت ليلة الأمس بإحدى المقاهي، بمدينة مراكش، شابا في مقتبل العمر، يحمل بين يديه، صندوقا عاريا، يعرض فيه زجاجات عطور مشرقية رخيصة، منها روائح العود والمسك النفاذ.. لكن الشاب يبتسم بسخاء لكل الزبناء، ويرش ظاهر أيدي بعضهم برشة خفيفة ثم ينتظر ردود أفعالهم في الإقبال على بضاعته.
الحقيقة أغواني فضولي، بهيئة هذا الشاب النحيف، وقميصه الداكن الطويل، وتلك الشعيرات التي خرجت من ذقنه، على شاكلة خيوط طويلة وتركت فراغات على وجه لم يكتمل فيه نمو الشعر.
قلت للشاب: ما مصدر هذه العطور؟ قال لي: ربما خليجية.. أخرج عطرا أصابني بالقرف، قال لي: هذا بعشرة دراهم، وأراني عطرا آخر، بعشرين درهما. قبلت هذا العطر الأخير، ثم قلت: له أجود العطور باريسية، باريس مدينة العطور الفاخرة التي تفتت نفوس البشر. أخبرني بأن السبب هو أن الشعب الفرنسي، كانت روائحهم مقرفة، وكانوا يرمون بفضلات غائطهم من النوافذ، لذا أبدعوا هذه الأصناف، ضحكت، رفيقي سعيد خاطبه متى كان الفرنسيون على هذا الحال، رد الشاب منذ حوالي مائة سنة، أخبره أنه خلال المائة سنة الأخيرة، كانوا يحتلون بلادنا وينقلون لنا مظاهر الحضارة والتمدن.
الشاب النحيف، يحمل أجوبة يقينية عن كل شيء في العالم، سألته عن نصيبه من التعلم قال لي: لم يلج مدرسة ربما ليعطي مشروعية لأميته، ثم سألته ثانية هل هو متزوج.. أسر لي أن يرغب في ذلك وفي امرأة تعتني بوالدته، لكن لمح لي أن ظروف القاسية هي التي دفعته لحمل الصندوق الصغير، بين الناس.
الشاب يفسر الكون، وظواهر بانطباعات دينية، لا تعتمد على النصوص والدراية بها، لكنه مشحون بروايات أدركها، عن طريق السمع من أشخاص لم يقدموا له التفسير والواقعي عن وضعه الذي يعيشه ويكابد معه.
قال لي: أنه لا يرضى لنفسه، بحمل كذا صندوق. أخبرته أن هذا العمل الذي يقوم به عمل عظيم، حيث يسعى للرزق بالحلال، وأن كل تجارة تبتدئ صغيرة، لكنها تكبر مع صاحبها، وذكرته كم من الرجال تاجروا في أشياء رخيصة ثم صاروا أصحاب ثروات.. ذكرته أن هذا العمل الذي يقوم به، لو أحبه وتمرس فيه واكتسب منه الخبرات المطلوبة سيصير له ذات يوم شأن.
قلت له: أن الثقافة الأمريكية، لا تعلم الناس كيف ينظرون إلى أنشطتهم اليومية بنظرة ازدراء، ومن لا يثمن نفسه كيف يريد من الآخرين تثمين أعماله. المهم في الحياة، أن لا نكون عالة على غيرنا وهذا هو الأهم.
نبهته إلى أن كل أنبياء الله، ورسله كانوا يكدحون ويكسبون الرزق، بالعمل وأن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، كان راعيا ثم تاجرا في رحلات طويلة، يبيع ويشتري بين أقوام، تعلم لهجاتهم واختبر طباعهم، وأدرك كيف يجيد النجاح لتجارته..
ودعناه، لكن رفقة صديقي سعيد، استمر النقاش بيننا، كيف تكمنت هذه التيارات من صناعة بشر فاقد للثقة في نفسه؟ والأمل في الحياة؟ في حين أن غاية الدين هي خلق الاطمئنان والتصالح لدى الناس مع الحياة والموت، وأن هذه التيارات لم تسع إلى بناء العوالم الداخلية للناس بالقيم الإيجابية في الحياة الاجتماعية، بل جعلت منها فزعا، لونته بنصوص محرفة عن المثل والقيم الرفيعة، التي جاء بها الإسلام لمصالحة الناس مع بعضهم البعض، في العلاقات الاجتماعية وذهبت كل النصوص القرآنية للتقعيد للقيم الواجب الامتثال لها، في حين أن 10 بالمائة من نصوص القرآن اختصت بالعلاقة بين الخالق ومخلوقاته وواجبات طاعته وحسن عبادته، وأن 90 بالمائة منها اهتمت بحياة الناس وتجويدها .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *