لعنة حقوق الإنسان واستقالة بليكي
بالأمس طغت على مواقع التواصل الاجتماعي حالتان، موضوعهما الاستقالة، الأولى لمصطفى الرميد وزير حقوق الإنسان، والاستقالة الثانية للأزمي الإدريسي.
إذا كانت الاستقالة الأولى لمصطفى الرميد نابعة عن وعكة صحية ألمت به، جراء معاناته خلال الفترة الأخيرة من مضاعفات الإصابة بفيروس كورونا، فهذه الاستقالة قد تكون مبررة بما يكفي، ونتمنى له الصحة والعافية والشفاء، رغم أن هناك أسباب أخرى تدعو للاستقالة، أهمها تردي الوضع الحقوقي بالمغرب حسب المؤشرات الدولية، وتزايد الاعتقالات والمحاكمات، التي لم يجد الرميد سبيلا للتدخل لحلها أو الوساطة للتخفيف من حدتها، كلها أسباب تدفع للاستقالة، إضافة إلى الوضع الحزبي الداخلي الذي يعيشه حزب العدالة والتنمية، بعد الزيغ عن مبادئه وإيديولوجيته. واستقالة الرميد تذكرنا باستقالة زيان من وزارة حقوق الإنسان في العهد السابق، ما يستدعي التساؤل حول الجدوى من وجود وزارة كهذه، وهل هي مجرد مؤسسة لتأتيث المشهد السياسي، أم هي لافتة في واجهة الدولة لإعطاء صورة نمطية عن حضور الطابع الحقوقي في التدبير الحكومي.
أما استقالة الأزمي فإنها أتت متأخرة كما قال في نص استقالته لأن الأزمي أختار الاستقالة من المسؤوليات الحزبية التي ليس فيها تعويضات “بليكي” ولم يقدم استقالته من المهام التي فيها تعدد التعويضات، كالبرلمان وعمودية فاس، لأنه كان واضح منذ البداية أنه لا يحب الاشتغال بيليكي، والحال أن المناصب التي يتقلدها وتقلدها سابقا، كلها حملته لها رياح الحزب الذي لم يعد كما كان، الحزب الذي تغيرت أوراقه المرجعية وتبدلت مواقفه، وهذه الأمور ليست حديثة ولم تكن وليدة اليوم، موقف الأزمي كان سيحترم لو جاء في المراحل الأولى لانحناء الحزب، وليس في هذه المرحلة، وإلا يمكن اعتباره ارتماء من طائرة مقبلة على الاحتراق، ربما يكسب من خلالها فرصة للانقضاض على منصب أو مسؤولية قيادية في الحزب مستقبلا أو يحاول إثارة عواطف من تبقى في الحزب من الغاضبين على العثماني بعد سياسة التطبيع، وبعد محاولة تقنين زيارة الكيف، وربما القادم أسوأ لمناضلي الحزب دو المرجعية الإسلامية.
الأزمي من خلال رسالته يخاطب القيادة مجسدة في العثماني، والحال أنه الرجل الثاني في الحزب وبإمكانه القيام بالكثير من داخل الحزب، من خلال عقد المجلس الوطني واتخاذ قرارات اكبر قد تتبرأ من الحكومة والقيادة ويمكنها الدعوة لاتخاذ قرار الابتعاد عن الحكومة وأخد مسافة من قراراتها وقرارات رئيسها التي لا تناسب الحزب.
حزب العدالة والتنمية يعيش مرحلة الهزة لتقرير المصير وإعادة بناء منهج جديد، قد يكون متحرر أو متشدد، فالحزب قاد الحكومة خلال العشر سنوات الآخيرة بمنطق الحصول على أموال الزبدة والأحتفاظ بالزبدة، فتجده مرة يتقمص دور الأغلبية، ومرة يروج خطاب المعارضة والمضلومية.
هذا الوضع من التيه الذي عاشه الحزب من الطبيعي ان يؤثر على البيت الداخلي للعدالة والتنمية، كوضع ساهم في إحداث رجة قوية، انطلاقا من عدة أسباب، أهمها سياسة واستراتيجية الهروب للأمام والتباكي قبل الانتخابات بمواجهة التماسيح والعفاريت.
لا يمكن لأي حزب ان يكون ذئبا وحملا في الوقت ذاته، لا يمكن لحزب يحمل المرجعية الإسلامية، وممارساته وسياساته مخالفة لمرجعيته، لا يمكن للحزب ان يكون في كل المواقع في نفس الوقت. حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد الذي جمع كل هذه التناقضات، الشيء الذي يمكن أن يقوده في الأخير إما للانهيار أو الانقسام، وذلك ما ستبينه الأيام القادمة.

