إنزياحات الصدمة بين السقوط المُدوي لمعيارية الأخلاق و التفوق النرجسي لتمويت الإنسان ..

إنزياحات الصدمة بين السقوط المُدوي لمعيارية الأخلاق و التفوق النرجسي لتمويت الإنسان ..
سعيد أولعنزي تاشفين

أمام هول ما يصيبنا من قذائف الهون ، في سياقات اجتماعية تتجاوز الإفرازات ذات الوقع المباشر وفق محددات الهابيتوس ، قد يجد المرء نفسه مضطرا إلى إعادة الحساب ألف مرة في اليوم محاوِلا ضبط خيوط اللعبة كما تتشكل وفق قوالب العنف الرمزي الذي يترتّب بأشكال ناعمة من خلال الخطابات الإعلامية كتجلٍّ للبروباغوندا الدولية تحت طائلة تغيرات سريعة على قياس ” الكوكوت مينوت ” كنظيمة استعجال توجيه العالم لما يخدم مصالح شرذمة من الأثرياء الكبار الذين يحتكرون 95 بالمئة من خيرات الكوكب الأزرق على شظايا المهجّرين قسرا و على أشلاء جحافل السواد الأعظم من بؤساء الكون و معذبيه؛ و من الصبح إذا تنفس إلى الليل إذا عسعس تبدو لك تمظهرات الكثير من الملامح قد تغيرت ، فتجد نفسك و رأسك على وسادة الأسئلة المركبة مُحرًجا من هول الإستنتاجات أن الأمر يحتاج إعادة ترتيب تفاصيل الوعي و الوهم معا . و يبدو الفهم جدّ طريف و أنت تكتشف أن هنالك مرجعيات كبرى سبقتك إلى خلخلة المسلّمات عبر شرعنة انزياحات أخرى أكثر وقْعا . فنجد غاستون باشلار كان يعمل جاهدا من أجل إحلال الحلم محلّ الجنس ، و جون بول سارتر حاول بعناد إحلال المشروع محلّ العُقدة ، و جيل دولوز عمِل على إحلال البناء محل التعبير ؛ و كلهم ، بشكل ما ، غير راضين على قواعد الفهم التي ارتضاها سيغموند فرويد الذي ظل أسير التعبير الصاخب عن قوى اللاشعور ، بينما المطلوب هو إعادة بنائه و ترميمه . و باشلار ، ذلك العظيم المتواضع الذي طالما عبر عن سخطه عن شعارات المفكرين السيكولاستكيين من عشاق البريق الخادع لذلك لم يكن يقبل ألقابا من طينة أستاذ أو دكتور ، حيث كان يميل إلى إسمه باشلار بيقين فريد معبرا عن ثورته على النمْدجة عبر سياجات النمطية و القولبة الإستهلاكيتين . لقد كان فعلا نمودجا حيّا للعظماء الذين بلغوا أوج النضج الذي قعّد للقطائع معرفيا متجاوزا سياقات التماهي مع سيولة الظاهرة المعرفية بلا ضجيج الطفرات ؛ فتبدو لك ملامحهم كلهم بسيطة كالأنبياء في ضحد غلوِّ الهابيتوس الذي يحدِّد إيقاع الحقول . و المثير للتأمل أنه في عام 1938 وُلد من غرفة غاستون باشلار ” الفوضوية ” بحث عجيب تحت عنوان ” التحليل النفسي للنار ” و فيه ثار على استنتاجات سيغموند فرويد ، فأكد أن التحليل النفسي مُطالب بالإنطلاق من الشعر و الحلم ، و هو ما يوصف بالتحليل النفسي للأسطقسات الأربعة ؛ و هي ” النار و الماء و الهواء و التراب ” . و بذلك حصل الإنتقال مما سماه فرويد بالإكراه الجنسي ، نحو ما سماه باشلار بالإستحلام la rêverie ، و عليه فالحُلم أكثر رحابة من الإكراه الجنسي الذي يلازم حيوات كل البشر . و على المنوال نفسه نجد في تقابل الوجود و العدم لجون بول سارتر شكلا من أشكال التحليل النفسي الوجودي الذي يتجاوز ، بشكل ما ، أدوات الفهم التي خبِرها علم النفس الإمبريقي . و من عقدة أوديب Oeudip نحو فكرة المشروع التي هي أساسا فكرة مشروع وجود عند سارتر تبدّلت القناعات و حصلت طفرة كبرى على أنقاض اللاشعور الفرويدي . و من باشلار إلى سارتر ؛ نجد دولوز يتجه نحو وجهة أخرى مُخالفة لفرويد ، إذ نحَت مفهوما جديدا هو التحليل السكيزوفريني ( La schizoanalyse ) الذي يجعل كل منطلقات علم النفس عند فرويد خاضعة للتمحيص و لإعادة الصياغة بعد الهدم و إعادة البناء .

يبدو لي أن الإنتقال من التراب و الماء ( الوحل ) ، نحو النار و الهواء ( الحريق ) يُحقق انطباعا غريبا ينسجم مع فكرة السكيزوفرينيا عند دولوز نحو فكرة مشروع وجود عند سارتر . و بشكل ما كذلك ، و بتتبع ذكي لدقائق المواقف عندنا ، يبدو أن الإنطباعية و العبثية و السوريالية و الكوميديا و التراجيديا و أوديب و إليكترا .. كلها نائم مفارقة تؤسِّس لنتيجة مشروع وجود سكيزوفريني يغذو و يروح بين نار و هواء و ماء و تراب .

لقد كان نيتشه ، في سياق ما قبل باشلار و سارتر و دولوز ، على صواب و هو يرى أن كل سياقات التفكير ” المستقل ” لا تخلو من شُبهاتٍ و تمويه ، و لذلك نجده يعترف أن مفهوم المسرح هو الذي يناسب قيم الفكر المعبّر عنه . إن نيتشه يَعتبِر الناس ، سواء كانوا مفكرين أو فلاسفة أو مثقفين أو مناضلين ، مجرد أبطال مسرحية ، فالمواقف بالنسبة له تظل مسرحا يتقنّع باستمرار . و كل التمثلات التي تُقدمها الفلسفة عن الجسد باعتباره يقوم مقام الذات في الجينيالوجيا النيتشوية مُجرد شكل من أشكال المسرح . إن نيتشه هنا بمثابة القنديل الذي أضاء الزوايا المظلمة في دروب البحث التي سلكها جيل دولوز كواحد من القراء الجيدين له ، و من ذلك التماهي المُقنع ألحّ دولوز على توصيفة دقيقة كاستنتاج مؤسَّس و هي ” علم النفس السكيزوفريني ” . فدولوز وسّع دائرة الفهم الفرويدي ، على خُطى معلمه نيتشه الذي رأى بأن الخطأ الذي سقطت فيه الميتافيزيقا يتمثل في اعتقادها بإمكانية اختزال النشاط الإستعاري للجسد إلى النشاط الواعي ، بينما تزعُم الجينيالوجيا بأنه لا وجود لتفكير واعٍ إلا إنطلاقا من عمق غير واعٍ . فالإنسان لا يعي سوى جزءً ضئيلا من نشاطه الجسدي الإستعاري . فالعقل أو الوعي عند نيتشه مُجرد جزء من كلٍّ هو العمق اللاواعي الذي يتشكل سطحا !! مفارقة عجيبة تقلب كل شيء رأسا على عقب ، من عمقٍ نحو سطحٍ ، و من وعيٍ إلى لا وعيٍ بما يؤكد فرضية السكيزوفرينيا ، و من مواقف العقل نحو استنتاجات الوهم يتأكد أكثر ما بلغه دولوز . إن جيل دولوز هذا يتلاءم مع نيتشه في السياق الجينيالوجي مع إضافة مفهوم السكيزوفرينيا الأكثر رحابةً من المنحى الفرويدي المحدَّد في بنية اللاشعور .

فهل يليق بنا ، أمام متاهة اليومي التي تجعل العقل مراهقا ينحو نحو التسويق المجاني للوعي بحثا عن التميز بتأويل مسرحي لكل شيء ينتهي بالتحليل السكيزوفريني الذي تخضع له الذوات جميعا ، ادعاء وعي عميق يقاوم تفاهة لعبة التاريخ ، و واقع الحال أن الإنزياحات الحاصلة بين ماء و تراب و هواء و نار بمنطق باشلار يؤكد أن التعبير عن المواقف مجرد أدوار مسرحية تُخفي جحيما حقيقيا عبر اللغة المسلحة بالإستعارات ؟

هل يجب الإنتقال من فهم الذوات و الظواهر بمنطق رومانسي يمتطي صهو اللغة لبناء مسرحيات هوياتية سردية تسوق لنقيض ما يعيشه الأفراد من أوهام أساسها الخوف المرضي و شتى الباطولوجيات النفسية ، نحو القيام بأدوار إيتيقية تتمثل في نقد الزمن الحاضر ، أو القيام بنوع من أنطولوجيا اليومي إسوة بميشل فوكو عبر أسلحة جينيالوجية تفكيكية تُمارس النقد من الداخل أولا من خلال تفكيك بنيات العمق بأدوات أركيولوجية دقيقة تُقوِّض المسلّمات بأشكال جِذرية أكثر من النقد الخارجي الذي يتم باسم حقيقة مطلقة ، أو باسم مثل عليا معيارية أو باسم البحث المضني عن البطولة الرعناء في مشهد من مشاهد متاهات اليومي من لدن الإسان الأدنى كنقيض للحلم النيتشوي الذي جسّده السوبرمان المتمرد على سياقات أخلاق العبيد ؟

يبدو فعلا أن التحليل السكيزوفريني يسود و يحكم في زمن ولّت فيه الأنساق الكبرى ، و اتّسعت الهُوة بين التأويلات الممكنة بين من يحاول العودة الى شؤون المدينة من مدخل الفلسفة السياسة المعاصرة ، و من يحاول العودة إلى الخلف بحثا عن الحكمة الإغريقية عبر مسالك الهيرمنوطيقا بما يعمق الحاجة إلى نور ديوجين القادر وحده على طرد العتمة من كل زوايا العقل الجمعي المنمَّط بشروط الهابيتوس الذي تتوافق عليه متاهات البؤس الوجودي ، و من يحاول معانقة العلوم المعاصرة تفاديا لضبابية الإمتدادات المعرفية الأخرى من خلال التمسك بالإبيستيمولوجيا كقاعدة ذهبية لامتلاك القدرة على عرض الأسئلة الكبرى بأدوات التشريح النقدي القمين على خلخلة المسلمات. و كل هذه الإختلافات تبدو تمظهرات لثراء فكري يمتح مما حصل من تراكم كبير منهجا و رؤية ، لكنها تكشف ، في الوقت ذاته ، حجم التشظي الحاصل تحت وطأة السقوط السكيزوفريني الذي يُدبج الأزمنة الراهنة بأدوار مسرحية تُخفي هول الصدمات الكهربائية التي خدشت أدمية الإنسان و عمّقت جُرحه النرجسي .

و أزعم ، أمام كل هذه الفوضى التي تبين فعلا أن المسرحية مُمتدة أفقيا و عموديا ، أزمنة و أمكنة ، أننا نحتاج إلى إعادة التأمل في خلاصات عدة منها أن التاريخ مجرد صيرورة من دون ذات كما عرفّه لوي ألتوسير ، و على نقيض ذلك أن الذات هي المقولة الأساس للميتافيزيقا كما بين دريدا في فهمه لهايدغر ، غير بعيد مما فعله لاكان في نقده لسارتر .

و في انتظار نهاية فصول المسرحية لتظهر عوراتنا الجماعية للعيان حريُُّ ترميم المواقف بالرجوع المنهجي للأصول تفكيكا و إعادة بناء ، لربما نتفادي حلول صدمة العار ليتبين لنا أن كل المواقف مُجرد نصوص من فصول مسرحية رديئة الإخراج تولد صامتة و تتواصل صاخبة .

فهل فعلا نحتاج ، أكثر مما مضى ، إلى البحث عن الإنسان الأعلى كما كان يطمح إليه نيتشه في معرض مقاومته للسقوط في متاهة اليومي كما تشكِّله أخلاق المسيحية البروتستانتية ؟

أم تُرانا في حاجة إلى إعادة بناء الغضب من مدخل التشاؤم المنهجي كما حلّ عند شوبنهاور كرد فعل إزاء ثقافة الوحل التي تُهيمن باسم الشعبوية التي تجعل الغوغاء و القطيع هم من يصنع الرأي العام و يوجهه في كنف نظام عالمي مسنود بالدولار كخلفية مالية مُشرعنة للتفاهة كاختبار ماكرو – سياسي و كتمرين استراتيجي يُخفي إفلاس كل شعارات ما سمي بالنظام العالمي الجديد كمظهر مباشر لتحكم الصعالك الجدد في مصير البشرية جمعاء ؟

أليس السؤال المنهجي الأكبر هو من يحصل على ماذا و متى و كيف كما أصّل لذلك ” لاسويل ” في خضمِّ تقعيده لمعنى السياسات العمومية ، سيما أن العالم عن لكرة أبيه أضحى يسبِّح بحمد الرأسمال بعدما أعلنت الليبرالية المتوحشة إخضاع كل شيء لسلطة السوق ؟

و كيف يجوز تفنيد استنتاج اللامعنى كفكرة متعالية تؤطر كل خلفيات النقد المزدوج على درب الإحباط الذي يصيب كل ذات حرة عاقلة و مسؤولة على منوال مابين مارثن هايدغر الذي انتفض ضد التقنية فمات مكتئبا و لا تزال التقنية تقتل كل شروط الكرامة الأدمية بمقصلة الربح كإلاه لا شريك له وفق محددات النار و ما يترتب عنه من انحرافات كبرى على أنقاض خطابات حقوق الإنسان و الحداثة و كل المُثل المعيارية التي سوق لها النظام الميركانتيلي منذ ولادة المصطلح هذا من رحم ” ميركنتي ” و التي تعني التاجر منذ هيمنة الحماس بحواضر ايطاليا زمن النهضة و إلى الهُنا و الأن في كنف أخلاق ما بعد الحداثة التي أماطت اللثام عن عورة الرأسمالية الإستهلاكية التي أخضعت البشر لتسلط اليد الخفية المتحكمة في كل تفاصيل الكون ؛ و في التفاصيل يمكث الشيطان من دون شك ؟

هل يتطلب واقع العبث كما يتشكل في بنية النظام السياسي العالمي إعادة قراءة ثورية لصامويل بيكيث الذي علّمنا أن القدرة على التحمل ضرورة منهجية في انتظار كودو ، و كودو هذا هو كل قيم الحداثة التي طالما يتشدق بها الغرب الرأسمالي منذ لحظة الإنفراج الأولى و التحرر الأول من فلول الفيودالية قبل أن تظهر عورة الغرب الرأسمالي في أزمنة ما بعد الحداثة التي نزعت القداسة عن الكذب الأكبر الذي سوّق للحرية و الكرامة و العدل قبل حلول زمن المتاجرة بالأعضاء البشرية و الإتجار بالبشر في سوق النخاسة الناعمة كما تفعل البورنوغرافيا و الغرف المغلقة حيث تولد مخططات الصعالك الكبار من حفدة آدم سميت و لازمة دعه يعمل دعه يمر تتجدد لكن هذه المرة وفق شروط السوق بعنف أكبر بما يقوِّض كل أشكال الممانعة من باب البحث عن المعنى في زمن اللامعنى ..

و حسبي ختاما أن الجُرح النرجسي أعمق بكثير مما تخفي خطابات التسويق الإستهلاكية المدجّجة بترسانة من الأسلحة الفتاكة من مداخل الثقافة و السياسة لصالح التسلط الإقتصادي الضامن لسيولة هيمنة الرأسمال بما يوطد عرى القولبة و التنميط وفق أجندة القوى الفاعلة في العالم الخاضع لعنف العولمة النيو – ليبرالية كشكل جواني للميغا – إمبريالية من وجهة نظر التفاهة كنمط فهم أممي يؤصل مفارقات الألفية الثالثة ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *