إصلاح انتخابي أم رهان على تجديد السياسة؟ قراءة في مذكرة الاتحاد الاشتراكي
تبدو المذكرات الإصلاحية التي تقدمها الأحزاب السياسية، في الغالب، مجرد وثائق تقنية تطفو على سطح النقاش العمومي لفترة محدودة ثم تنزوي في رفوف المؤسسات، لكن مذكرة الاتحاد الاشتراكي الأخيرة حول إصلاح المنظومة الانتخابية، استعدادا لمحطة 2026، لا يمكن أن تُقرأ بهذا المنظار الضيق. إنها وثيقة تحاول أن تقبض على لحظة سياسية دقيقة يتقاطع فيها سؤال الديمقراطية مع سؤال الثقة ومع سؤال المستقبل الرقمي.
ومن هنا فإن أهميتها لا تكمن فقط في مضامينها التفصيلية، بل في الرؤية التي تقترحها حول كيفية إعادة بناء الشرعية الانتخابية.
أول ما يثير الانتباه في هذه المذكرة هو أنها تجاوزت الطابع التقليدي للإصلاحات الانتخابية، التي كانت تنحصر في التقطيع الجغرافي أو شروط الترشح أو نسب العتبة، إلى مستوى أعمق يتصل بصلب العملية الديمقراطية: كيف نضمن نزاهة الانتخابات في زمن الذكاء الاصطناعي والرقمنة الشاملة؟ فالحزب يلحّ على ضرورة إنشاء منصات رقمية موحدة، وعلى إدماج الذكاء الاصطناعي في تدبير العمليات الإدارية، وعلى تأسيس هيئة مستقلة لمراقبة الحملات الرقمية، مع التنصيص على ميثاق وطني للأخلاقيات الرقمية، هذه الجرأة تضع النقاش المغربي في قلب ما يشغل الديمقراطيات الكبرى اليوم: لم يعد الخطر محصوراً في شراء الأصوات في الأحياء الهامشية، بل في شراء العقول عبر الشاشات والخوارزميات.
غير أن المذكرة لا تكتفي بهذا البعد التقني، بل تحاول استعادة الثقة المفقودة بين المواطن والسياسة. وهي ثقة تعرضت لاهتزازات عميقة، ليس فقط بسبب ضعف أداء المؤسسات المنتخبة، ولكن أيضا بسبب الانطباع الراسخ لدى فئات واسعة بأن الانتخابات مجرد طقوس شكلية لا تغيّر شيئا في واقعهم.
ومن هنا جاءت مقترحات مثل التسجيل التلقائي للشباب في اللوائح الانتخابية ابتداء من سن 18، أو تخصيص دوائر لمغاربة العالم، أو ربط الدعم العمومي بعدد المقاعد التي يحصل عليها الشباب والنساء وذوو الاحتياجات الخاصة. إنها رسائل تحمل في عمقها إقرارا بأن الديمقراطية المغربية لن تستقيم دون تجديد نخبها وتوسيع قاعدة المشاركة فيها.
لكن النقاش الأكبر يظل مطروحا في مجال التقطيع الانتخابي.
فالمذكرة تدعو إلى إعادة النظر في هذا الملف بما يضمن عدالة تمثيلية أكبر، غير أن سؤال العدالة هنا ليس تقنيا بل سياسي بامتياز.
فكيف يمكن للتقطيع أن يحقق التوازن بين الحواضر الكبرى التي تضم كثافة سكانية هائلة، والمجالات القروية التي تعاني الهشاشة والعزلة؟ هل نحن أمام إعادة إنتاج لمنطق الغلبة العددية، أم أمام محاولة لخلق تمثيلية منصفة لجميع المكونات الترابية؟ هنا يبرز التحدي الحقيقي: التقطيع ليس مجرد خرائط انتخابية، بل هو رسم للخريطة السياسية المستقبلية للبلاد.
أما في ما يخص اللوائح الانتخابية، فإن الاتحاد الاشتراكي يقترح نظاما رقميا أكثر شفافية ونجاعة، بما يقلص من ثغرات التلاعب والازدواجية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل المشكل في اللوائح ذاتها، أم في الإرادة السياسية في جعلها أداة لتوسيع المشاركة بدل تقليصها؟ التجارب السابقة أثبتت أن اللوائح ظلت دائما أداة لشرعنة نسب المشاركة، لا وسيلة لإدماج فعلي للمواطنين في الحياة السياسية.
وفي جانب الحملات الانتخابية، تطرح المذكرة فكرة ضبط التمويل بشكل صارم، وتجريم استعمال المال لشراء الأصوات، مع إرساء آليات شفافية حقيقية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن المال الانتخابي ظل على الدوام عاملا مفسدا لإرادة الناخبين، ومصدرا لتشويه العملية السياسية برمتها.
غير أن السؤال الجوهري هو: هل يمكن مواجهة هذه الظاهرة عبر قوانين فقط، دون بناء ثقافة سياسية جديدة تقطع مع الزبونية والولاءات التقليدية؟ هل يكفي سن عقوبات قاسية إذا كانت الأجهزة المكلفة بالمراقبة نفسها تخضع أحيانا لمنطق التوازنات؟
المذكرة كذلك توقفت عند نظام الطعون الانتخابية، مقترحة مساطر مبسطة وسريعة للبت في النزاعات، حتى لا يظل البرلمان رهينا بانتظار أحكام قضائية قد تتأخر لأشهر أو سنوات.
وهذه النقطة تثير سؤال النجاعة القضائية: ما جدوى مؤسسة الطعن إذا لم تكن قادرة على إصدار قرارات في الوقت المناسب، وبما يحفظ مصداقية المؤسسات المنتخبة؟
لكن الجزء الأكثر لفتا للنظر هو ما خصصته المذكرة لمخاطر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، لقد صار من الممكن اليوم توجيه الناخبين عبر محتويات رقمية مفبركة، أو عبر تقنيات دقيقة للتلاعب بالعواطف والسلوكيات. وفي هذا السياق، يقترح الحزب إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة الحملات الرقمية، والتوقيع على ميثاق للأخلاقيات الرقمية، غير أن هذه الأفكار الطموحة تثير بدورها إشكالا: هل تمتلك الدولة والأحزاب القدرة التقنية لمراقبة هذا الفضاء اللامحدود؟ أم أن الأمر قد يتحول إلى مجرد شعارات، بينما يظل الواقع عرضة للتأثيرات الخفية للشركات الدعائية العالمية؟
إن إدماج الشباب في العملية السياسية يشكل أحد أكبر رهانات هذه المذكرة، لكن التجربة التاريخية علمتنا أن إدراج الشباب في اللوائح أو خفض سن الترشح لا يكفي وحده لتغيير المشهد. فالقضية أعمق: هل يملك الشباب الثقة في أن العمل الحزبي والبرلماني يمكن أن يحدث فرقا حقيقيا في حياتهم؟ أم أن الإحباط قد بلغ مدى يجعلهم يفضلون التعبير عبر الشارع أو عبر الفضاء الرقمي بدل صناديق الاقتراع؟ هنا يظهر البعد الثقافي والسياسي الذي لا يمكن لأي مذكرة أن تعالجه بمفردها.
لقد أحسن الاتحاد الاشتراكي في جعل الإصلاح الانتخابي معركة سياسية بامتياز، لا مجرد عملية تقنية. فالتقطيع، اللوائح، التمويل، العقوبات، الطعون، كلها ليست تفاصيل تنظيمية، بل تجليات لسؤال أعمق: أي ديمقراطية نريد؟ هل نريد ديمقراطية شكلية تؤدي وظائف الضبط والاستقرار، أم ديمقراطية حقيقية تمنح المواطنين شعورا بالقدرة على التأثير في مصيرهم؟
من هنا فإن قيمة المذكرة تكمن في أنها أعادت فتح النقاش حول معنى الانتخابات نفسها في المغرب.
فهل هي مجرد آلية لتداول محدود على المقاعد، أم هي أفق لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة؟ هل المطلوب تحسين شروط التنافس بين الأحزاب داخل قواعد لعبة مرسومة سلفا، أم المطلوب إعادة بناء اللعبة برمتها على أسس جديدة من الشفافية والعدالة والمشاركة الواسعة؟
إن مستقبل الديمقراطية المغربية لن يتحدد في صناديق الاقتراع وحدها، بل في عمق المجتمع: في المدرسة التي تربي المواطن على النقد والمشاركة، في الإعلام الذي ينير ولا يضلل، في الأحزاب التي تفتح أبوابها للنقاش لا للزبونية، وفي المؤسسات التي تحترم إرادة الناس ولا تلتف عليها.
والمذكرات الإصلاحية قد تكون بداية، لكنها لن تكفي ما لم تتحول إلى توافق وطني عميق حول الديمقراطية كخيار لا رجعة فيه.
وهكذا يمكن القول إن مذكرة الاتحاد الاشتراكي تطرح علينا سؤالا جوهريا: هل نحن بصدد إصلاح انتخابي لتحسين شروط التنافس، أم بصدد رهان سياسي وفلسفي على تجديد السياسة ذاتها؟ الجواب عن هذا السؤال سيحدد ملامح 2026 وما بعدها، وسيكشف ما إذا كانت الديمقراطية المغربية قادرة على مواجهة تحديات الزمن الرقمي، واستعادة ثقة مواطنيها، وفتح أفق جديد أمام أجيال لا تزال تبحث عن معنى الانتماء والمشاركة.

