إصلاح التعليم العالي بين رهانات الشراكة ومخاطر التفكيك: أسئلة مؤجلة
يثير البيان الأخير للنقابة الوطنية للتعليم العالي أكثر من سؤال فلسفي حول طبيعة الإصلاح، وحدود الشراكة، وأفق السياسات العمومية في تدبير الجامعة المغربية.
فهل يمكن لإصلاح يقوم على تغييب الفاعلين الحقيقيين أن يؤسس لجامعة قوية مستقلة؟ أم أن منطق الإملاء من فوق يعيد إنتاج نفس الاختلالات القديمة بواجهة قانون جديد؟
البيان يحذر من “مشروع القانون 59.24” وما يحمله من مخاطر الخصخصة المقنعة، وإضعاف استقلالية الجامعة، وتحويلها إلى مجرد آلة تقنية مرتبطة بسوق الشغل لا بفضاء نقدي حر.
هنا تطرح الأسئلة بحدة: هل الجامعة مجرد وسيلة لتزويد السوق بالمهارات، أم هي فضاء لتشكيل وعي نقدي ومواطن حر؟ وهل يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح دون أن يتأسس على إشراك حقيقي للفاعلين الذين يعيشون يومياً تفاصيل الممارسة الأكاديمية؟
كما يطرح البيان إشكالية الحكامة الجامعية: من يحكم الجامعة؟ ومن يقرر مصيرها؟ هل هي المجالس المنتخبة، أم الأجهزة البيروقراطية، أم إرادة سياسية تبحث عن مخرجات سريعة لتبرير السياسات أمام الخارج؟ وهل يمكن الحديث عن استقلالية فعلية للجامعة في غياب استقلالية القرار الوطني ذاته أمام منطق العولمة وضغوط المؤسسات المالية الدولية؟
وفي ظل ما وصفه البيان بتراجع الحوار، وإغلاق باب التفاوض، والاعتماد على “سياسة التدبير الأحادي”، يظهر سؤال جوهري: هل الإصلاح فعل تشاركي يفتح أفق الثقة بين الدولة والجامعة، أم مجرد تقنية سياسية لتدبير الأزمة وإعادة إنتاجها؟ أليس من المفارقة أن يُرفع شعار الحكامة الجيدة بينما يُقصى الحوار، وهو أساس كل حكامة ديمقراطية؟
ثم إن البيان يلمح إلى مخاطر حقيقية تتعلق بمستقبل “المراكز الجامعية” وأدوارها الأكاديمية والتكوينية.
فهل نحن أمام رؤية تعتبر الجامعة مشروعاً مجتمعياً طويل المدى، أم مجرد مؤسسة إدارية قابلة للتعديل والتفكيك حسب الظرف السياسي والمالي؟ وما معنى إصلاح لا يحمي الجامعة كقيمة رمزية وسيادية؟
إن القراءة النقدية للبيان تكشف عن مفارقة جوهرية: الدولة تتحدث عن الإصلاح بينما تستبطن منطق التحكم؛ والنقابة ترفع شعار الاستقلالية بينما تجد نفسها محاصرة بميزان قوى مختل. وبينهما يبقى السؤال الفلسفي المؤجل: من يملك الحق في تقرير مصير الجامعة؟ وهل يمكن لأي إصلاح أن يتحقق في غياب مشروع مجتمعي جامع يعترف بالجامعة كقلب نابض للحرية والمعرفة؟
بهذا المعنى، لا يكفي أن ننتقد القانون أو نرفضه، بل ينبغي أن نعيد طرح السؤال الأعمق: أي جامعة نريد لمغرب الغد؟ جامعة تابعة لمعادلات السوق أم جامعة حرة تُخرّج الإنسان قبل أن تُخرّج الأجير؟

