إشغلهم قبل ما يشغلوك
تفتقت عبقرية خدام المخزن في أواسط القرن التاسع عشر، حين لاحظوا بداية تململ المغاربة في كل الربوع، رفضا لجملة إجرائات ضريبية، في خضم أزمة سيولة نقدية أوصلت الدولة لإفلاس مريع، إضطرها لتنازلات سيادية و الرضوخ لرقابة الدول المدينة (من بينها وضع كل الموانئ و دواوين استخلاص الضرائب و الأتاوات تحت السيطرة الفعلية لموظفي الدول المقرضة ..إلخ)، تفتقت عبقرية أولائك الخدام على منهجية جهنمية لإبعاد الرأي العام المغربي آنذاك عن متابعة الشأن العام للدولة، و ذلك بجعل المواطنين ينشغلون ببعضهم البعض . فكانت سياسة (اشغلهم قبل ما يشغلوك). . و كان البند الرئيسي في تلك الخطة إطلاق يد أعتى المجرمين ليعيثوا فسادا في الأرض و البشر _ لينشغل المواطنون بانعدام الأمن و فقدان الإحساس بالأمان، عن الخوض في مسار دراماتيكي وجد الحكام إذ ذاك أنفسهم رهينة له _ و ما زاد الطين بلة، أن أولائك الباشوات و القياد و الخلفان و حاشياتهم كان عليهم تدبير أجورهم عبر أتاوات يفرضونها مباشرة على كافة ساكنة إقليمهم، بدءا بالتجار و الصناع و الحرفيين إلى ساكنة البوادي من فلاحين و رعاة و غيرهم _
من هنا كان دور تلك العصابات، و هي مؤطرة من قبل بعض التابعين لنفوذ أولائك الموظفين المحليين، محوريا في إرضاخ الساكنة و إبعادها عن الخوض في الشأن العام _ غير أن أولائك المخططين، حجبت عنهم ثقتهم في عبقريتهم، و جهلهم المأساوي لتاريخ الشعب الذي تسلقوا لحكمه، إستقراء عفوية و عنف ردود فعله عبر أحقاب التاريخ . . فكان أن شكل المواطنون في كل المدن و القرى و الدواوير جماعات حراسة و دفاع أهلية مشكلة من ساكنة كل منطقة للوقوف في وجه تلك العصابات و ردعها، في تحد شعبي لسلطة المخزن، و الذي كان حقيقة قد قدم إستقالته عن القيام بواجبات حماية مواطنيه نتيجة لتغول طبقة فيوضالية فلاحية و شقيقة لها بورجوازية حضرية مستوليتان فعليا على كل الشأن المحلي عن طريق إرشاء و إخضاع كافة السلطات المحلية _
و من هنا سيدخل المغرب حقبة سوداء في تاريخه، أطلق عليها : _ عهد السيبة _ و التي ستفتح أبواب المغرب كلها لفترة حماية ستدوم من سنة 1912م إلى العام 1956م _ _
سقت هذا للذين يجهلون تاريخ هذا البلد _ عساهم يتنازلون و يلقون و لو نظرة بسيطة على تاريخ هذا البلد المتمرد الذي وضعت أمانته بين أيديهم .

