أي دور للمحاماة في النهوض بالنموذج التنموي الجديد
يثار دائما نقاش حول الدور المفترض لقطاع العدالة في تحقيق التنمية ، من خلال قيامه بتشجيع الاستثمار و البت في النزاعات بطريقة عادلة و سريعة تمكن من المساهمة الايجابية في تحقيق إقلاع اقتصادي من خلال عملية زرع الثقة التي قد يبثها لدى المستثمرين المغاربة و الأجانب في الاقتصاد الوطني و في نموذجه التنموي، و تعتبر المحاماة من أهم أضلع العدالة التي لها دور مهم و مؤثر في النهوض بمجال التنمية بمختلف أنواعها و تشكلاتها ، من خلال الاختصاصات الحصرية التي منحها القانون القيام بها سواء في إطار الاختصاص المتعلق بالنيابة و التمثيل أمام المحاكم أو في إطار تقديم الاستشارات و المساهمة قي حل النزاعات عن طريق الوسائل البديلة لتسوية المنازعات لا سيما في الميدان التجاري و الاقتصادي.
و لكن يجب بداية الاعتراف أن السياسة التنموية التي اتبعها المغرب منذ الاستقلال إلى الآن عرفت العديد من الكبوات التي جعلت البلاد تعيش احتقانا كبيرا و غليانا شعبيا نتيجة انتشار العديد من المظاهر الاجتماعية السلبية متجسدة في ارتفاع نسبة الفقر و البطالة ووصول نسبة الهشاشة الى مستويات مقلقة , و أيضا ركودا على المستوى الاقتصادي و تضخما على المستوى المالي ، و قد ارتبط هذا الفشل التنموي بفشل سياسي و حقوقي جعل البلاد تعيش أزمة حقيقية نتجت عنها انتفاضة شعبية طالبت بإصلاحات سياسية عميقة ، لم يتم التخفيف من حدتها سوى باستجابة أعلى سلطة بالبلاد لمطالب الشعب و القيام بتعديل دستوري جديد سنة 2011 وضع عقدا إجتماعيا جديدا مبنيا على وعود بإصلاحات سياسية و حقوقية و اقتصادية . لكن رغم أهمية المبادرة فإن السنوات التي تلت هذا الإصلاح عرفت مزيدا من الفشل و الانحدار سواء على المستوى السياسي و الحقوقي من جهة أو على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي من جهة ثانية . و هذا ما جعل العاهل المغربي يدعو في خطاباته الأخيرة إلى ضرورة إبتكار نموذج تنموي جديد يساهم في تحقيق طفرة نوعية في مجال التنمية ببلادنا ، و من أجل تفعيل هذا التوجه و دعمه مؤسساتيا تم إنشاء لجنة النموذج التنموي الجديد تتكون من مجموعة من الشخصيات التي راكمت تجارب من مختلف المجالات ، و تم تكليفها بإرساء نموذج تنموي جديد إنطلاقا من تقييم للواقع و إقتراح الإستراتيجيات الكفيلة بإنجاح هذا النموذج التنموي الجديد ، و قد اعتمدت منذ بداية عملها مقاربة تشاركية عن طريق الانفتاح على فعاليات المجتمع السياسي و المدني و مطالبتهم بتقديم مقترحات عملية للنهوض بالتنمية بمختلف أنواعها ببلادنا . و بغض النظر عن الانتقادات الموجهة للجنة و طريقة تعيينها و الأشخاص الأعضاء فيها ، فإنه يمكن القول أنها مبادرة إيجابية خاصة أمام العجز الواضح و فشل الرؤية و تغلب المصالح الذاتية الذي أبانت عنه المكونات السياسية في البلاد سواء كانت حكومة أو أحزاب سياسية .
و مادامت هذه اللجنة منفتحة و تعتمد مقاربة تشاركية و مندمجة فلا بأس من مناقشة دور المحامين في النهوض بهذا النموذج التنموي الجديد ، لا سيما أن المحاماة تبقى من أهم المهن التي تؤثر و تتأثر إيجابيا و سلبيا بمجال التنمية . و لذلك يمكن التساؤل كيف يمكن لهذه المهنة النبيلة أن تساهم بدور إيجابي و فعال في خلق نموذج تنموي يتجاوز الأزمات و العثرات السابقة و ينفتح على أفق أكثر قوة و عطاء بكل ما سينتج عنه من خير للبلاد و العباد ؟ و هل يمكن بالفعل لمهنة تعيش أزمة بنيوية حادة أن تساهم بالفعل في التأسيس لنموذج تنموي جديد أكثر تقدما و تطورا ، أم أن الضعف الذي بدأ ينخر جسمها خاصة من الناحية المؤسساتية سيجعلها لاعبا ثانويا و احتياطيا في ملعب التنمية الجديد ؟
ينبغي التأكيد على أن مهنة الدفاع في جميع أقطار العالم لها دور مهم في تطوير النماذج التنموية في كافة البلدان التي تتواجد بها ، حتى أن أغلب رؤساء الدول و الشخصيات المرموقة التي تتحكم في دواليب السياسة و الاقتصاد في العالم نجدهم في الغالب من زملائنا المحامين . كما أن الإطارات المؤسساتية و المهنية في هذه البلدان لا سيما في الدول المتقدمة لها كلمة مسموعة و تؤثر بشكل كبير على الشأن العام ، بعكس دول العالم الثالث أو الدول السائرة في طريق النمو مثل المغرب التي تعيش فيها مهنة المحاماة أزمة حقيقية ناتجة عن أسباب ذاتية و موضوعية ، و لذلك فالحديث عن دور لمهنة المحاماة في النهوض بالنموذج التنموي الجديد يبقى صعبا أمام الضعف الذي تعيشه المهنة ، و أمام الاستهداف الذي تعيشه منذ مدة طويلة من أجل إضعافها و جعلها منشغلة فقط بمشاكلها الداخلية و مشاكل الأفراد المكونين لها . و لهذا فإنه إذا أردنا أن تكون للمحاماة دور مهم و محوري و حيوي في النموذج التنموي الجديد فإنه لابد من تقويتها و تجويدها عن طريق القيام بمجموعة من الإصلاحات لفائدتها و التراجع أيضا على جميع الإجراءات و التدابير التي تزيد من إضعافها و تقهقرها .
نعم ، إذا ما كانت هناك إرادة جدية للإصلاح فإنه ينبغي إشراك مهنة المحاماة في هذا المشروع الطموح ، و من أجل أن تكون مساهمتها إيجابية فإنه لابد من تقويتها و إزالة جميع أسباب الضعف و الوهن التي تنتابها، و لعل من أهم المداخل التي تعيد للمهنة رونقها و قوتها هو التراجع عن ” الإصلاحات ” التشريعية التي تعمل على التضييق من عمل المحامي سواء في مشروع قانون المحاماة أو في مشاريع القوانين الأخرى لا سيما قانون المسطرة المدنية و قانون المسطرة الجنائية ، و العمل على تقويتها سواء من جهة الاختصاصات و المهام أو من خلال الضمانات التي تجعل المحامي يقوم بعمله من دون تضييق لا سيما على مستوى دعم الحصانة و الاستقلالية، كما ينبغي تفادي التدابير التي تزيد من أزمة المحاماة كالتعامل معهم من الناحية الضريبية بمنطق التجار ، و إغراق المهنة بآلاف المترشحين الجدد و جعل المهنة وسيلة لحل مشكل البطالة الذي يعاني منه الكثير من شبابنا العاطل ، و إضافة إلى ذلك يجب إلغاء المادة التاسعة من قانون المالية الحالي الذي يقنن بشكل سلبي مسطرة تنفيذ الأحكام ضد الدولة و الإدارات العمومية و يجعل الأحكام و القرارات الصادرة عن القضاء الإداري مجردة من قوة الشيء المقضي به . كما يجب أيضا دعم الحماية الاجتماعية للمحامي من خلال التغطية الصحية و أيضا على مستوى التقاعد ، و تعديل مرسوم المساعدة القضائية بشكل يجعل التعويضات المستحقة عن المساعدة القضائية توازي أهمية المهنة و خطورة المسؤولية الملقاة على عاتق القائمين عليها ، و أيضا دعم التكوين و التكوين المستمر من أجل تجويد الخدمات القانونية التي يقدمها المحامي ، و لا سيما إنشاء المركز الوطني للتكوين الذي مازال حبرا على ورق . كما ينبغي تشجيع إنشاء الشركات المدنية للمحاماة عن طريق مبادرات تسهل عملية خلقها و منحها تسهيلات مالية و تفادي الازدواج الضريبي المطبق عليها حاليا ، و لا بد أيضا من توفير الحماية اللازمة في مواجهة شركات المحاماة الأجنبية العملاقة التي بدأت تجد في المغرب مرتع خصب للعمل و تكريس منافسة غير متكافئة مع نظرائهم المغاربة ، و على المستوى المؤسساتي فإنه من الواجب تقويتها ولو أن هذا الإشكال ذاتي و داخلي ، إلا أن إنشاء مجلس وطني للهيئات و جعله ذو اختصاصات تقريرية واسعة و ذو إستقلال مالي و إداري من شأنه أن يعيد المكانة المؤسساتية لمهنة المحاماة و يعيد لها قوتها الاعتبارية التي أصبحت شبه مندثرة نتيجة الضعف الذي تعرفه جمعية هيئات المحامين بالمغرب.
إن القيام بهذه الإصلاحات هو الشيء الأساسي المطلوب من أجل إعادة إحياء و تقوية مهنة الدفاع من أجل القيام بأدوارها السياسية و الحقوقية و التنموية داخل المجتمع ، و لكي تشكل رافعة أساسية و متينة للنموذج التنموي الجديد الذي يبدو أن هناك إرادة رسمية راسخة من أجل تنزيله و تحقيق أهدافه . و من غير القيام بهذه الإصلاحات فإنه لا يمكن لمهنة المحاماة من النهوض من كبوتها ، و لا يمكن أن يكون لها أي دور يذكر في هذا النموذج التنموي الجديد ، بل ربما ستكون بمثابة حاجز يعرقل مسلسل التنمية المنشود . و في هذا الإطار نتساءل هل قامت المؤسسات المهنية سواء من خلال الجمعية أو الهيئات السبعة عشر الأخرى بتقديم مطالب و مقترحات للجنة النموذج التنموي من أجل تحديد العلاقة بين المحاماة و النموذج التنموي الجديد ، أم الأمر سيقتصر كالعادة في لغة البيانات و البلاغات بعد أن تنتهي اللجنة من أشغالها و يتضمن تقريرها ما لا يسر بخصوص مهنتنا العتيدة.

