أنين من مدينة الله ..
أيتُها البلاد تعيسٌة الحظ ، لا يكبرُ فيكِ سوىَ المقابر علىَ أي حزنٍ تنامين !!
قطيعُ من خيبات تُنسج بإيعاز من أساطير الوهم الممتد على طول العمر ، و من تشنجات أبديّةٍ هي لغتها في نقل الوقائع و حُلمها مجرد هويات سردية للكادحين و لعموم الأبطال من مسرحية زيف تٌثقل القلوب وَبالا لا ينتهي بحثا عن النصر البعيد . أرمي السردَ بالنردِ فيُنجب حِبري غضبا حكيما و بنات أفكاره صاخبة جدا ضد سلاسل حديدية طويلة من شيخ القبيلة و من علماء الأسوار و من سياقات المدينة التي تنزف الآنَ فوضى و مُستعبدة من فلول العار نحو المكر الكبير ، و واودي المدينة يجفُّ من صدى المحبة التي كانت على شكيلة أحيدوس عندما إلتقيتها تحت كواعب الماء الذي يقذفه الوادي الممتد كشِريان القلب ؛ تحيط كل يابس بالنداء لما ألم بالدروب ، بالأسوار ، بزوايا المدينة من عشق كبير ؛ و لست وحدي من كان يعشقها ؛ من وابل جراح لا تليق مع عمق النبض يحمل أنين الإنتظار إلى الضفة الأخرى ، هناك لا يابسا يباس خارج تجاعيد يعاديها بحلول شامة بديار القلب الآيلة للسقوط على شكيلة ذاكرة تنزف .. رحم الله يوسف بن تاشفين و زينب النفزوية و ملوك الطوائف رغم العناد و انتشار الإسلام هنا بدار تنزف رغم سخاء الأرض و بيدور هناك على أشلاء إبن عباد ..
مغلولٌ قلبي في غمده .. لقد حسمت مصير كل معاركي بعدما كانت من نصيب الضباب .. غادرت نحو بلاد المركز .. اختفت ، و لم يختفي العشق بقلب تاشفين هنا بكل ربوع المناطق الطرفدارية .. لقد انهكه الحب و رعدفبته في الأمتداد ، و كل ما يبدو من قِواه مجرد حِيل و مراوغات يهادع نفسه ، أما عيونه فتدرف الدمع دافئا ينِمُّ عن خيبات تأتيه تباعا ؛ من اختفائها و من زوال الأندلس الحٌلة السّيُراء . أنامله ترتعش على الصراخ المجاني و هو يسافر في الصدى أين شامة ، نوميديا .. الذاكرة و الأرشيف ؟ أين مدينة يوسف بن تاشفين الذي حرر عشق زينب و حرر المدن كلها من جفاء الطوائف و اعتقل المغرور المعتمد بن عباد و توحيد الأندلس رغم نزيف القلب !! ، لا صَدً هنا يعاند صداه سوى سرابا يحسبه الظمآن ماء فإذا جاءه وجد الخيبات مكانه .. و سقوط الأندلس مدوٍ ؛ و الصدى يئن للراجفين ، و أبواب الثوبة من عشقها يراها مقفلة على مصراعيها ؛ و يواصل الضجر اللعين .
ترى هل تحتاج العتبات دبائح قربانا للشيطان الذي كان أول من قال لا فكان روحا أبدية العدم ؛ فظلت الوشائج مستعصية مٌقتفية خطواتها على منوال لا الكبرى ؟ أم ترى حزنه عليهم جميعا يذهب جُفاءً و يروح حيص بيص بين شامة المنفلثة من عشقه ، و بين مدن العرب و العجم التي تصلي لليسوع ، و الجيران و الخصوم و شتى المتربِّصين بخطوط النبض تجني على المدينة الكثير و كأنها بين مخالب المتوسطي يحاول استعمارها !! شامة ! مدن الأندلس !! نوميديا ، أسوار المرابطين بأمور أكوش .. كلها ذاكرة سقوط مدوٍ خلَّف شقوقا في القلب ؛ و كان التاريخ عِربيدا يُنزل لعناته على بضع سيوف تهورت فقتلت كرامات الأولياء ، فكفر الآهالي بالأضرحة و ظلت الزوايا مهجورة ، و وحده تاشفين يقثفي خطوات شامة و يبكي حال مدن الضباب بمحاذاة البحر على خصر الصحراء و يرقص حزنا لمآل البطولات قبل ان يحل الخراب ، و ظلت قبورهم جميعا مأوى للمنحرفين يؤدون مواويل مصحوبة بالثمالة و لسان حالهم .. هذا زمن الخمرة .. ضاعت الأندلس و مجد تاشفين ، ماتت نوميديا !! ضاعت الذاكرة العصيّة !! إلتهم البحر كل شيء و بقي حزينا لكونه كان متورطا في معارك اغتيال حضارة لململت العشق و الأسوار .. و بعد حين اختفت شامة و سُلبت منا مدن الضباب و لم يعد يُرفع فيها الأذان .. قسطنطينية !! فنيقيا !! أمور اكوش !! تشربُ الذاكرة ظمأنة من أبجديات الحزن بحثا عن الوهم على صهو الجاريات في البحر كالأعلام ، و المشترك يزول تحت عنجهية الآهالي بعدما نجحوا في نسيان شامة و جيلها من العميقات .. و عائشة القديسة المقاومة الشرسة التي حوّلوها إلى تحريف مخيف ؛ القنديشة .. السحر .. الميتوس !! و كنزة الأورابية و زينب النفزوية ، و خناتة بنت بكار ، و عدجو موح و زوجة زايد أحماد بطل الهامش على تلال سيدي بويعقوب و بادو و حُرمة إيمَّا حكَّا علي .. و سليلتهم شامة التي جمعت بين حسنها و شموخها و حكمتها عاشت مغتربة بين الآهالي .. لا وفاء و لا نبلا ؛ نرجسية تكابد عبق الماضي التليذ ..
تجني مدينة الله خيباتها جريحة و لا تنام الليل نكدا و تشكو للأفق البعيد القريب هدير البحر الخائن خطبة طارق الذي تجاوز مرجعية مولاه و إفريقيا غادر مغدور بها .. البحر وراءكم و العدو أمامكم .. كان كل شيء يوحي بالبطولة العصماء عندما كانت شامة / نوميديا تنادي في الفحولة حرِّضوا الهمم .. لا تخافوا من أنياب البحر .. أعبروا نحو أمكنة تحتاج صوت بلال الحبشي لتجدد إرث العذراء الذي جاءها المخاض من تحت النخلة فقالت ” يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا ” .. و ها هو تاشفين بلا هوية و بلا ذاكرة تحفظ حفريات الزلاقة في الروح ، يُرثي شامة التي كانت جيلا من الشموخ ، دون أن يغمض لها جفن عن مصائب الغرور الذي لازم أمة أضحت مسخرة بين الأمم .. من كل بحار الكون تجيء الأطماع لتنهش لحوم قوم بلا نخوة . لقد عاد تاشفين مجددا إلى الثرثرة على وهم القبيلة و انتصارات التاريخ التي أصبحت تجلٍّ للسقوط سبيلا لتضخم ويلات اليوم بين حفدة خير أمة أخرجت للناس .. لقد كانت شامة على صواب قبل أن تغادر حيث ظلت تندب التاريخ الذي تنكر للعظماء و تواطأ مع جيل المجتثين من أعداء التاريخ .. هربت !! ترى هل كانت شُجاعة مِقدامة على شكيلة زينب زوج تاشفين و الملوك الثلاتة كلهم يقدرون ذكاءها ! أم تُرى هروبها جبن متأصل في أمة لا تعانق بطولتها إلا على كورنيش البحر تمجيدا للأموات من لدن جبناء اليوم .. ما يهم تاشفين ليس سوى ما بقي من شامة و أسوار مدنه التي تُكسب الإفرنج الكثير بعدما تحولت بطولات التاريخ إلى ذاكرة تسعد السياح في أمسيات التشفي على شرف الجعة و الزبيب .. لقد أصبحت لهم عائدات مالية من مقابر المرابطين و أسوارهم .. إشبيلية كباقي المدن احتفظت بذاكرة الأبطال فروَّضتها حتى تجلت مرتعا للسياح المهوسين بالضحك على الأرشيف .. الأنا و الأنا فقط فهمت لماذا اختفت شامة و لماذا كانت ترفض أن تعشق رجلا يحمل اسم تاشفين . الآنَ كل شيء يشيخ ، و تُسلخُ ذاكرة البطولة ببلاهة ؛ و وحوشها عمّروا قرونًا و لم يشبْ نابهم بعد ، و الفريسة مشروعة مثل الذي كان على الدم و الطرائد و مخططات الإغتيال ، و اختفاء شامة و حزن تاشفين الجريح و هكذا كان .
طريحة الوفاء نوميديا تريد أن تبوح بشيء رغم عُباب البحر الذي لا يتوقف أبدا ، و لا تنوي الوصول لشيء سوى ما بلغته من حروب القيل و القال من أمة من جهلها ضحكت أممُُ ؛ و استطال غضبها من الإصطفافات التي شكلت لعبة الجهل ؛ بين علي و عثمان ، و بين عرب و عجم ، في بلاد تحاصرها الصحراء و يلتهمها من يسكنون فوق البحار . فلا الشعراء ينطقون ، و لا الروائيون يكتبون عن لعنات تنزل تباعا ، و لا الأمواج البحرية العاتية تحتكم إلى ضمير متحرر من براثن الإسترداد القاسية كجفاء العلائق هنا بين محمد و عيسى ؛ و تاشفين ينتظر متى تطل شامة بين مخالب النسيان لعل المطر ينزل لتغتسل الأرواح من غبنٍ و من تعبٍ . تقتل غطرسة الحرب حكمة مزجاة بطعنةٍ غير بعيد من بهْو المدينة التي كانت فيها شامة تبتسم من عذرية البطولة حزينة إيذانا بموسم الموت . لا شيء من هذا أريده الآن على حضوتك يا مدينة الله ، فقط أتوسل أن تستعجل العتبات بالعِجْلِ الأصفر يُزف بالحناء و زغاريد الأمهات الباقيات قربانا لآلهة الحدس و الفيضان الحاصل و غرابيب سود ضغائن بالمجان و يُعدم النّكد بَركة المكان و كرامات الأولياء الصالحين .. و الذاكرة ممشوقة بالجراح . أريد على ذكراك يا ذاكرة العطاء ، أن تنفجر بالوادي الحزين إثنتي عشرة عينًا في وجهك الذي شاخ خِلسة تحت أرق الدسائس متعددة و متناسلة منذ أن حرّر تاشفين عروس الجغرافيا من قيود الأساطير بالزلاقة سليلة الصناديد ، و أنت تتأهبين لموسم الحصاد يُقتل فك ما بقي من جغرافيات تُطل على البحر في انتظار لحظة الزوال . فمتى ترتاح الحقول الملائكية من ضجر المناوشات هنا ، أبصِر بهنّ جميعًا طريق السجايا . أريد أن أغرق فراعنة الفراغ في بحرٍ شقته شقوقُ القلب المثخن بالتعب من كآبة ، من جهالة ، من بطش الإختلافات . ماذا وقع في جنبات مقابر الأبطال غير الموقرة ، في الأرصفة المتصدعة ، في العتبات المتهالكة ، في أسوار مراكش ، و فاس ، و مكناسة و سجلماسة ، في اتجاه الشام و بغداد المتشققة و نزيف دجلة و الفرات .. و الأن فقط فهمت حزن شامة و اختفاءها في حلمها المغدور .. و في كل ما ألم بها من رعشة الخوف من المآل يُفسد فرحة عارمة ماتت لديها في المخاض ، و هي ما يزال في وسعها السعيُ إلى العروة الوثقى ميثاقا غليظا ، و ما يزال هنالك حلم لغوب يُرقّص زهرةً في أعلى الروح تحت مقلتيها ، و ها هي المدينة التي جمعتني بها بمحاذاة الوادي تذكرني أنا ربما كانت تعشقني ، فخافت من الهزيمة الشنعاء .. فغادرَت خلسة نحو المجهول . لم تسأم خطاها بعد من الجريان نحو الذاكرة تُرثي حالها و حال تاشفين ، و الذوبان في حزن أبدي يلازمها دمشقيا و بغداديا و طرابلسيا و نوميديا و بابليا ؛ و شامة عربون كل هذه الإخفاقات .
فيا أيّها الإيقاعُ البئيس خذ معك أرقَ الليالي و مناوشات الوهم إلى مقابر الشيطان ، فمدينة الله لا يليق بها الحزن الأبدي ، و كل ما يجيء من غُرف مُغلقة تحت سور العجائز حيث يخطط رجل غليظ على رأسه عمامة صفراء فوقع لونها تثير الحاسدين ، لا يتكلم أبدا . يهمس فقط !! تُخرب الدسائس جدوة الصِّبا بحضارة إقرأ بالغرب الإسلامي ، و زغاريد الأمهات و ابتسامة عليلة ترتسم على أسوار متهالكة و متشامخة هِمّة بما بقي بذاكرتها من ملامح البطولة عصماء على باحة السلام بين كل الأطياف .
دعكِ يا مدينة الله من كلّ حزن يصيبك و من كل ذلك الأنين ، دعك من رثاذ شامة ، فتاشفين عليها مثلك حزينٌٌ ، دعك من اغتراب يُربك نبض الطموح . لماذا تفيضُ الآنَ فيك غنائم لا تليق و سبايا الحرب و الأنفال قرابين للمهجّرين .. ينتظرون فظ جثامين ثُوارى الثرى ! لماذا وضعت قلبك في أحشاء غيرِ ذاتِ وتدْ و تطول فيك الجراح ! هل تحتاج جراحك هذه محرابا للقبائل صلاة لقبلة المغول ! أم ترى هل تحتاج ثخوم البحر قرابين على شرف الإنس و الجان طلبا للمن من دسائس الخراب !؟ لماذا يا مدينة السلام تفيضين الآنَ حزنا لا يضمر حزنه من على مرأى و مسمع من الشيوخ و الأمهات اللائي يقتلن أعمارهن بين ذهاب و إياب من أجل لقمة عيش على مائدة الكفاف ؟ لماذا تموت فيك كل لغة من أبجدية الملح ، و أنهارًا من دموع تفيض بالأعماق تنتهي بين أنياب البحر ، و أهم الصادرات حقائب جلدية مصنوعة من جسد الإنسان ، و المظاهر عنجهية و صمودا هنا على وهم الإنتصار بين ريق الندى و نكهة التراب يموت في اليوم ألف مرة ؟! أوقف زلالك الدمع قليلًا يا مدينة الله !! و لك أن تتمعّني في ملامح الكادحين و سوادك الأعظم من المسلوبين ؛ فقرا فقيرا و جهلا جهولا ، و نزيف النكبات يُنصَّب نصرا مبينا بحدائق الشيطان !!
لا يليق بك الزيف يا أمكنة طال فيها الغبن حتى نصّب الآهالي الحرب تمثالا للغباء بعدما استباحوا المشترك بلا ملح ، و يفيض البحر غطرسة و جحودا و الوادي يبكي ..
لا يناسب فخرك أن ينتهي زمن الزغاريد و ان يتخصص التاريخ في الرِّثاء .. على شامة و تاشفين و يوسف محرر الأندلس ، و طارق ، و فطاحل الذاكرة التي تقاوم هجوم البحر و صمود الدِّهية..

من يتلو لك كلام اللوح المحفوظ لترتاح الأتربة المفعمة بالعياء من هوس الظنون ، و يعود السلام إلى الدروب المشبعة بالخير خصبا يعادل جوع الجياع ..
لست أدري لمَ تضيق دروبك يا مدينة مغدور بها منذ سابق العهود .. لماذا يحاصَرُ حبك بين الجدران القديمة ، مُكبّلا بالطقوس الراجفات رجفا . ما علة الشيخوخة التي أصابتك في مقتبل العمر ، و لماذا تختفي السماء دائما في وقت الحاجة إليها لرأب الشقوق التي تتوسع في جباه الأسوار و بملامح الديار الكئيبة حتى من طلائها الفاقد للعذرية و لإرادة الحياة ، و اسوار البطولة مُغرية فرح السياح و قهقهات الزور من زيف و من كذبٍ .
لك الله يا مدينة الضجر ، يا مسقط الرأس و اليأس عند جمهور دونخيشوط و لعبة الوهم اللعين و العبثيات . يا آكاليل بالأحمر بالأخضر بلون الوطن تأبى أن تضيع تحت شمس العطش هزائم تتكرر كمكر التاريخ . رضي الله عنك يا عتبات الكَرم الذي يجود للغرباء أينما حلّوا و ارتحلوا ، و للآهالي في جُبّة الحرب نتلوا صامتين ؛؛
” قْدْمنا لجواد هَل بينا $$ ربي تعفو علينا ” ..
في انتظار أن تجود السماء بودْقٍ يطفيء نارا تتلظى لترجع مدينة الله إلى صِباها وردية بالحلم و حمراء بالحب مثل بلعمان

