أقنعة مختلفة… وغاية واحدة
في مغرب السياسة، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الشعارات، يظهر رجلان شكّلا مشهدًا سياسيًا صاخبًا لعقد من الزمن: عبد الإله بنكيران، بلباسه الشعبي ولسانه الساخر، وعزيز أخنوش، بهدوئه المدروس وجيوبه المليئة بالمشاريع.
قد يبدو من الوهلة الأولى أن الرجلين من عالمين متوازيين: هذا يتحدث بلغة الشارع، وذاك يتحدث بلغة الصفقات؛ هذا يركب سيارة متواضعة ويخاطب الناس كواحد منهم، وذاك يمتطي رجال الأعمال ويتحدث بلغة الأرقام. لكن حين نغوص في العمق، ندرك أن الاختلاف ليس إلا قناعًا، وأن الوجهين ينتميان إلى نفس العملة: عملة السلطة.
بنكيران صعد على أكتاف “محاربة الفساد”، واستمد شعبيته من فصاحته وسخريته المبطنة، لكنه حين جلس على الكرسي، سكت عن الفساد الكبير وضغط على الطبقة المتوسطة والفقيرة. قراراته الاقتصادية كانت في مجملها لصالح “استقرار” لا يُشعر به إلا الكبار.
أما أخنوش، فجاء بشعار “الدولة الاجتماعية”، وهو صاحب أكبر ثروة وزعامة حزب وُلد في أحضان الإدارة. دخل الحكومة بحملة انتخابية غير مسبوقة، أنفق فيها المال بسخاء، فقط ليُعيد نفس السياسات النيوليبرالية، لكن بلبوس جديد.
بنكيران، رغم صراخه ضد التحكم، لم يكن يمانع في الانحناء حين يشتد الريح، وتحالف مع من كان بالأمس خصمًا، تحت مبرر “مصلحة الوطن”. أخنوش، من جهته، لم يخفِ علاقاته القوية بمراكز القرار، بل جعل منها سلاحًا لتعزيز موقعه السياسي.
في عهد بنكيران، أُسقط الدعم عن المحروقات، وارتفعت الأسعار، وتضرر المواطن. وفي عهد أخنوش، انفجرت الأسعار أكثر، وأصبح شراء المواد الأساسية معركة يومية. تغيرت الوجوه، لكن المعاناة واحدة.
أخنوش وبنكيران، رغم اختلاف الخطاب، هما وجهان لعملة واحدة: عملة سياسية تتغذى على الأمل المكسور والوعود المؤجلة. كلاهما صعد على سلم الشعب، ثم نسيه في الأعلى. وما دامت الذاكرة قصيرة، سيظل التاريخ يعيد نفسه، بنفس الوجوه أو بأقنعة جديدة

