أفق مكسور… وفكر مُعلّق: مآلات العقل الشاب
حين ننظر في أعين الشباب اليوم، لا نرى فقط بريق الحلم، بل نرى أيضًا غبار الحيرة، هذا الجيل الذي وُلد في زحمة السرعة، ونشأ في فضاء رقمي مفتوح على كل شيء، يقف اليوم على حافة الأفق: لا هو قادر على العبور إلى مشروع وجودي واضح، ولا هو راغب في الانسحاب، وكأن العقل الشاب صار معلقًا بين سقفين: سقف الانتظارات وسقف الانكسارات.
لقد أصبح أفق التفكير لدى عدد كبير من الشباب مكسورًا، لا بسبب قلة الذكاء، بل بسبب كثرة الضوضاء.
فكيف يمكن لعقل شاب أن يبدع وهو مُحاصر بثقافة الاستهلاك، وسرديات فارغة تقدم الشهرة بدل المعنى، والسطح بدل العمق؟ كيف يتأمل جيلٌ محاصر بإكراه اللحظة، منساق خلف السرعة، غارق في التدفق المستمر للصور والرسائل، دون أن تمنح له فرصة التوقف؟ إن المسألة هنا ليست فقط ثقافية، بل هي أيضًا سياسية وتربوية، لأن تعطيل التفكير لدى الشباب يُعَدّ في جوهره فشلاً لنظام القيم بأكمله، وتخليًا عن مشروع بناء الإنسان.
نحن إزاء مفارقة عميقة: جيلٌ يملك من الوسائط ما لم يملكه أي جيل قبله، لكنه يعيش أزمة معنى، وأزمة هوية فكرية، يعبّر كثيرًا، لكنه لا يجد ما يُفكر فيه بعمق. والنتيجة: انفجار في التعبير، وتآكل في الوعي، وصعود لنماذج من “المؤثرين” الذين يوجهون الرأي العام نحو الميوعة لا نحو النقد، نحو الانفعال لا نحو التأمل.
تُظهر التقارير الدولية والوطنية أن نسب العزوف السياسي والثقافي وسط الشباب آخذة في الارتفاع بشكل مقلق. لا لأنهم سلبيون، بل لأنهم لم يجدوا إلى الآن خطابًا صادقًا يعترف بهم، أو فضاءً جادًا يصغي إليهم، لقد تعطل الحوار بين الأجيال، وانهارت وسائط التنشئة التقليدية (الأسرة، المدرسة، النخب السياسية والفكرية)، ليترك العقل الشاب معلقًا بين واقع لا يرضيه، ومستقبل لا يثق به.
من هنا، لا يكفي أن ندمج الشباب في “مشاريع تشغيل” أو “برامج إدماج”، بل يجب أن ندمجهم في مشروع فكري شامل يعيد الاعتبار للمعنى، ويصالحهم مع ذواتهم، ومع أسئلتهم الوجودية. نحن بحاجة إلى تربية تُغرس فيهم شغف الفهم، لا فقط سلوك الطاعة، وإعلام يُثير فيهم الشك، لا فقط استهلاك العناوين.
إن كل فكر شبابي لا يستند إلى “أفق” واضح، سيظل عرضة للتيه الرمزي، أو لما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي “جيل ليبوفتسكي” بـالانفصال الهادئ، حيث يعيش الفرد في عزلة شعورية واجتماعية رغم كثافة تواصله الرقمي.
نحن إذن أمام تحدٍّ حضاري لا تقني: كيف نُعيد الاعتبار للتفكير في زمن الإلهاء؟ كيف نفتح للشباب نوافذ على الفلسفة والفن والسؤال، بدل دفعهم نحو الانتماء الأعمى والنسخ المتكرر؟ كيف نُقنعهم أن التفكير ليس ضعفا، وأن الشك ليس خيانة، وأن الحلم ليس سذاجة؟
إن المجتمع الذي لا يستثمر في أفق تفكير شبابه، لن يحصد سوى جيل ضائع بين السخرية واللاجدوى، بين الغضب المكبوت والانسحاب البارد، ولن تقوم نهضة حقيقية في أي بلد ما لم يكن الشباب في قلبها، لا كـ”مستهلكين” للأفكار، بل كـ”مُنتجين” للمعنى، وساعين نحو الحقيقة، حتى ولو كانت مُرَّة.
ولعل أخطر ما يمكن أن نتركه لهذا الجيل، هو إرث الفراغ: فراغ في التوجيه، فراغ في القيم، فراغ في المشروع المجتمعي. فحين يضيع المعنى، تُختزل الحياة في التفاصيل، وتغرق الذات في التسلية… إلى أن ينفجر السؤال: “لماذا؟” ولا يجد جوابًا.

