أزلو محمد يكتب: تعزيز الحكامة وترشيد النفقات” دعوة نحو إصلاح شامل للاستغلال العمومي”
في إطار السعي الحثيث نحو تعزيز الحكامة الجيدة وترشيد النفقات العمومية، تلقى رؤساء الجماعات الترابية التابعة لإقليم بركان توجيها رسميًا من عامل الإقليم، تحت إشراف السادة الباشوات ورؤساء الدوائر، بهدف التصدي لظاهرة الاستعمال غير المشروع لسيارات الجماعات الترابية. هذه الخطوة، التي تحمل في طياتها دعوة صريحة إلى إصلاح عميق لنظام تدبير حظيرة السيارات، تأتي كجزء من مسار طويل تبنته الدولة لتفعيل مبدأ الشفافية والمساءلة في تدبير المال العام.
استند عامل الإقليم في مراسلته إلى منشور الوزير الأول رقم 4-98 الصادر في 20 فبراير 1998، وهو وثيقة مرجعية تعكس رؤية الحكومة المغربية منذ عقود في ضبط نظام استغلال وسائل النقل العمومية. هذا المنشور، الذي ظل حاضرًا في الذاكرة الإدارية، يعود اليوم إلى الواجهة في ظل تصاعد مطالب المواطنين والجمعيات المدنية بتطبيق أكثر صرامة لقواعد الحكامة الرشيدة.
أوضح عامل إقليم بركان، في نص المراسلة، أن الهدف الأساسي من توفير سيارات الجماعات الترابية يتمثل في تسهيل أداء المهام الرسمية الموكلة للموظفين والمستشارين، وتوفير الظروف الملائمة لممارسة مهامهم على أكمل وجه. غير أن الممارسات الميدانية كشفت عن استغلال مفرط ومخالف لهذه السيارات في أغراض شخصية بعيدة كل البعد عن الصالح العام.
ولم يكتفِ المسؤول الترابي بالتشخيص، بل وجّه دعوة صريحة إلى رؤساء الجماعات بضرورة الالتزام الصارم بالقوانين المنظمة لاستعمال هذه السيارات، مشددًا على أهمية التصدي لكل ما من شأنه أن يثير استياء المواطنين أو يفتح الباب أمام انتقادات جمعيات المجتمع المدني. وقد جاء في المراسلة: «أطلب منكم الحرص على عدم استعمال واستغلال سيارات الجماعات خارج إطار المقتضيات القانونية والتنظيمية»، وهي عبارة تعكس جدية التوجه نحو تقليص الهدر المالي وضبط الاستغلال غير القانوني.
في سياق متصل، دعا عامل الإقليم إلى تفعيل أنظمة داخلية صارمة لمراقبة استعمال سيارات الجماعات، مع التشديد على ترشيد نفقات البنزين والصيانة. هذه الدعوة تحمل في طياتها رؤية متكاملة لإصلاح قطاع يعاني من شبهات هدر متكرر للموارد المالية. فالترشيد لا يقتصر فقط على الحد من الاستعمال غير المشروع، بل يمتد إلى إعادة النظر في طرق الصيانة وإدارة الموارد اللوجستية بما يضمن تحقيق الفاعلية والكفاءة.
إن قضية الاستغلال غير القانوني لسيارات الجماعات ليست مجرد إشكالية إدارية تتعلق بمخالفة القوانين، بل إنها تحمل بُعدًا أخلاقيًا عميقًا يتصل بثقة المواطن في المؤسسات العمومية. فكلما تفاقمت ظواهر الفساد والهدر، كلما تآكلت جسور الثقة بين المواطنين والدولة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الخطوة كجزء من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
لا شك أن خطوة عامل إقليم بركان تمثل نموذجًا يمكن تعميمه على الصعيد الوطني، ليس فقط في مجال تدبير حظيرة السيارات، بل في مختلف القطاعات التي تشهد استغلالًا غير رشيد للمال العام. إنها دعوة إلى التفكير في إصلاح شامل لنظام الحكامة، يتجاوز الحلول الجزئية إلى بناء منظومة متكاملة تقوم على أسس الشفافية، والمحاسبة، والعدالة في توزيع الموارد.
في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من مرحلة التوجيهات والمراسلات إلى مرحلة التنفيذ الصارم على أرض الواقع. فالإصلاح لا يتحقق بالكلمات وحدها، بل يتطلب إرادة سياسية صلبة، وآليات رقابة فعالة، وشراكة حقيقية مع المجتمع المدني لضمان استدامة التغيير.

