أزلو محمد يكتب:العنف المدرسي”ظاهرة متفاقمة تستدعي وقفة مجتمعية جادة”

أزلو محمد يكتب:العنف المدرسي”ظاهرة متفاقمة تستدعي وقفة مجتمعية جادة”

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يظل التعليم ركيزة أساسية لبناء المجتمعات، غير أن ظاهرة العنف المدرسي باتت تشكل تحديًا متصاعدًا يهدد سلامة البيئة التعليمية، ويعكس – في الوقت ذاته – أزمات اجتماعية أعمق. وفي هذا السياق، كشف وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، عن مجموعة من الإجراءات الاستباقية لمواجهة هذه الظاهرة التي أخذت في التنامي خلال الفترة الأخيرة.

في جلسة عمومية بمجلس النواب يوم الاثنين 28 أبريل 2025، أشار الوزير برادة إلى القلق المتزايد إزاء تصاعد أعمال العنف داخل المؤسسات التعليمية، مؤكدًا أن الوزارة باشرت تركيب كاميرات مراقبة في عدد كبير من المدارس. أما الجديد في هذه الخطوة، فهو اعتماد كاميرات ذكية مدعمة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يتيح ليس فقط رصد الحوادث، بل تحليلها وتحديد أنماط العنف المتكررة لتطوير استراتيجيات وقائية فعالة.

التكنولوجيا وحدها، رغم أهميتها، ليست الحل الكامل. إذ أكد الوزير أن مواجهة العنف تتطلب معالجة الأسباب الجذرية، ومن هنا جاءت دعوته إلى تعزيز روح الحوار والانضباط داخل الأوساط المدرسية.

ما يثير القلق بشكل خاص هو الارتباط الوثيق بين العنف والهدر المدرسي. أوضح الوزير برادة أن الإحصائيات تشير إلى أن العنف المدرسي غالبًا ما يكون نتيجة شعور التلاميذ بالإقصاء أو التهميش داخل الفصل الدراسي. نحو ثلثي التلاميذ يعانون من صعوبات في التركيز، مما يجعلهم عرضة للسلوكيات العنيفة، سواء كضحايا أو كممارسين.

هنا، يتجلى دور المعلمين والإدارات المدرسية في خلق بيئة تعليمية تشجع على الشمولية وتقلل من الضغوط النفسية التي تدفع التلاميذ إلى سلوكيات عدوانية.

أبرزت الوزارة أهمية الأنشطة الموازية كآلية فعالة للحد من العنف داخل المؤسسات التعليمية. إدراج الرياضة، والفنون التشكيلية، والموسيقى، وحتى السينما، ضمن برامج “مدارس الريادة”، ساهم في خلق فضاء إيجابي داخل هذه المدارس النموذجية.

الأنشطة الموازية ليست مجرد ترفيه، بل هي أدوات تربوية تسهم في بناء شخصية التلميذ، وتعزز مهاراته الاجتماعية، وتساعده على التعبير عن مشاعره بطريقة بناءة. فحين يجد التلميذ متنفسًا خارج جدران الفصل الدراسي التقليدي، تقل احتمالات لجوئه إلى العنف كوسيلة للتعبير عن غضبه أو إحباطه.

في خطوة تعكس وعي الوزارة بأهمية العنصر البشري في مواجهة العنف المدرسي، أعلن برادة عن تكوين 4000 إطار تربوي في مهارات الإنصات والوساطة، بشراكة مع جمعيات مدنية متخصصة. إضافة إلى ذلك، تم تدريب 1600 منسق للحياة المدرسية بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء، بهدف تعزيز دور الوساطة داخل المؤسسات التعليمية.

التكوين المستمر للأطر التربوية لا يقتصر على الجانب المهني فقط، بل يشمل تطوير المهارات النفسية والاجتماعية التي تتيح للمعلمين والإداريين التعامل مع حالات العنف بحكمة وفعالية. فالمدرسة ليست فقط مكانًا لتلقين المعارف، بل هي أيضًا فضاء لتربية الأجيال على قيم التسامح والتعايش.

لا يمكن النظر إلى العنف المدرسي بمعزل عن السياق المجتمعي الأوسع. فالمدرسة ليست سوى انعكاس لما يحدث داخل الأسرة والحي والمجتمع ككل. لذا، يرى برادة أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية متكاملة طويلة الأمد، تشارك فيها مختلف الأطراف: المدرسة، الأسرة، المجتمع المدني، والإعلام.

وأكد الوزير أن الوزارة تعمل باستمرار على تطوير استراتيجياتها، غير أن تحقيق نتائج ملموسة يتطلب وقتًا وجهدًا يتجاوز الحلول السريعة. النجاح في الحد من العنف المدرسي يحتاج إلى تعزيز ثقافة الحوار، وإرساء قيم الاحترام المتبادل، وبناء جيل قادر على حل نزاعاته بطرق سلمية.

حين نتحدث عن ظاهرة العنف المدرسي، فإننا لا نتحدث فقط عن أزمات داخلية تخص المؤسسات التعليمية، بل عن تحدٍ مجتمعي كبير يتطلب منا جميعًا وقفة جادة. من خلال تكثيف الجهود بين الوزارة والأسر والمجتمع المدني، يمكننا أن نحلم بمدرسة بلا عنف، مدرسة تكون واحة أمان وإبداع لأجيال المستقبل.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هل نملك الإرادة الكافية لتحويل هذا الحلم إلى حقيقة؟ الإجابة لا تكمن في الكلمات وحدها، بل في الأفعال التي تعكس التزامنا الجماعي ببناء غدٍ أفضل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *