أدوار الأحزاب السياسية ووظائفها الحديثة: أزمة الوساطة وآفاق التغيير

أدوار الأحزاب السياسية ووظائفها الحديثة: أزمة الوساطة وآفاق التغيير
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

تشكل الأحزاب السياسية منذ نشأتها إحدى الركائز الأساسية للحياة الديمقراطية، إذ تؤطر المواطنين وتمنحهم فضاءً للتعبير عن انشغالاتهم وصياغة مشاريعهم. وتضطلع بدور الربط بين الدولة والمجتمع، بما يجعلها حلقة وصل لا غنى عنها لضمان التوازن السياسي وحماية الشرعية الديمقراطية.

وتؤدي الأحزاب أدواراً كلاسيكية تتمثل في التمثيل والمشاركة والتأطير، لكنها صارت اليوم مطالَبة بالقيام بوظائف حديثة أكثر تعقيداً، من قبيل إنتاج السياسات العمومية، وتقديم البدائل الواقعية، ومراقبة عمل المؤسسات، وخلق فضاءات للتكوين السياسي المتجدد. ولا يقتصر دورها على إدارة التنافس الانتخابي، بل يتعداه إلى التفكير في مستقبل المجتمع وصياغة أفقه الجماعي.

وتفقد الأحزاب بريقها حين تنغلق على نفسها وتختزل وظيفتها في المقاعد والمناصب، فتتحول إلى مجرد آلات انتخابية تشتغل موسمياً. عندها يشعر المواطن بأن الخطاب الحزبي أصبح بعيداً عن همومه اليومية المتعلقة بالشغل والتعليم والصحة والسكن والعدالة الاجتماعية، وهو ما يضعف الثقة ويعمّق الفجوة بين القاعدة والقيادة.

وتفاقم هذه الأزمة مظاهر عزوف الشباب عن السياسة المنظمة. ويُظهر الواقع المغربي مثلاً أن نسب المشاركة الانتخابية ما تزال ضعيفة، رغم كل الحملات الرسمية لتشجيع الانخراط. ويرجع ذلك إلى شعور جيل جديد بأن الحزب لم يعد قناة للتغيير، بل مجرد واجهة لإعادة إنتاج نفس النخب والوجوه.

وتطرح هذه الوضعية تحدياً جوهرياً: كيف تُعيد الأحزاب بناء ثقة مفقودة؟ وكيف تُقنع الشباب بأن السياسة الحزبية ليست مجرد لعبة مغلقة؟ ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا تحررت من الزبونية والولاءات الضيقة، وأعادت الاعتبار للفكر السياسي الجاد والبرامج الواضحة والقابلة للتنفيذ.

وتعيش المجتمعات المعاصرة ثورة رقمية قلبت معادلة الوساطة رأساً على عقب؛ فقد أفسحت وسائل التواصل الاجتماعي المجال أمام التعبير المباشر، وأنتجت وسائط جديدة أكثر سرعة وتأثيراً.

وتفقد الأحزاب، في هذا السياق، جزءاً من سلطتها الرمزية، لتترك المجال لفاعلين غير تقليديين يصنعون الرأي العام ويضغطون على صانعي القرار. وتُظهر التجارب المقارنة أن الأحزاب التي استوعبت التحول الرقمي استعادت جزءاً من فعاليتها، كما في بعض بلدان أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث فتحت قنوات للنقاش العمومي مع المواطنين، وأعادت بناء جسور الثقة. أما التي انغلقت على بنياتها القديمة، فقد تراجعت مكانتها.

وتحتاج الأحزاب المغربية، في ظل هذه التحولات، إلى إعادة هندسة علاقتها بالفضاء الرقمي، وتحويل مواقعها ومنصاتها إلى فضاءات تفاعلية حقيقية، لا مجرد واجهات دعائية.
فالرهان اليوم هو القدرة على الإصغاء والتفاعل المستمر، لا الاكتفاء ببلاغات جامدة أو حملات موسمية.

وتُعمّق أزمة الوساطة هشاشة الديمقراطية، لأنها تُفرغ المؤسسات التمثيلية من مضمونها، فإذا فقد المواطن الثقة في الحزب والبرلمان والجماعة، فسيتجه إلى العزوف أو الاحتجاج خارج المؤسسات.
وهنا تكمن خطورة استمرار الوضع، لأن الديمقراطية لا تُمارَس فقط بالقوانين والدساتير، بل تحتاج إلى ثقة مجتمعية تغذيها وساطة فعالة.

وتفرض الوظائف الحديثة على الأحزاب أن تستعيد دورها كمدرسة سياسية، تُكوّن الأجيال الجديدة في قيم الديمقراطية، وتدربهم على النقاش العمومي، وتفتح أمامهم فضاءات للمبادرة والمشاركة. فالحزب الذي لا يهتم بالتربية السياسية سيجد نفسه أمام شباب منجذب إلى الشعبوية أو غير مكترث بالشأن العام.

وتؤكد التجربة المغربية أن أزمة الوساطة ليست منفصلة عن أزمة الفكر السياسي عموماً، فغياب التنظير الجاد، وانزلاق الخطاب إلى التبسيط والعموميات، يفرغان النقاش العمومي من العمق اللازم. ولا يمكن لحزب بلا فكر أن ينتج سياسة عمومية ذات رؤية مستقبلية.

وتفرض التحديات الاقتصادية والاجتماعية مسؤولية إضافية على الأحزاب، فلا يكفي رفع الشعارات الفضفاضة، بل يجب تقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ.
والمواطن اليوم لم يعد يقتنع بوعود انتخابية متكررة، بل يبحث عن مصداقية تُقاس بقدرة الحزب على اقتراح سياسات واضحة في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والعدالة المجالية.

وتكشف أزمة الوساطة أيضاً أزمة الديمقراطية الداخلية.
فكيف يُمكن لحزب لا يحترم آليات الشفافية والمحاسبة داخله أن يقنع الناس بالديمقراطية على مستوى الدولة؟ ولا سبيل لاستعادة المصداقية إلا عبر تكريس التناوب القيادي، وتمكين الشباب والنساء من مواقع القرار، واعتماد آليات انتخابية شفافة داخلية.

وتفتح هذه الإصلاحات الطريق أمام آفاق التغيير، فإذا تجرأت الأحزاب على النقد الذاتي، فإنها قادرة على إعادة تأسيس نفسها وفق منطق جديد، وحين تستعيد دورها الحقيقي كجسر بين الدولة والمجتمع، ستعيد الثقة إلى المؤسسات وتمنح الديمقراطية مضمونها الفعلي.

وتُختتم هذه القراءة بالتأكيد أن أزمة الوساطة ليست إعلاناً عن نهاية الأحزاب، بل تنبيهاً تاريخياً إلى ضرورة التحول.

فإذا كانت السياسة التقليدية قد استنفدت شروطها، فإن المرحلة الراهنة تفرض أحزاباً تفكر بجرأة، تنفتح على المجتمع، تدمج الرقمنة في آلياتها، وتبني الثقة من جديد، وهكذا تُفتح آفاق التغيير، بما يضمن استمرارية المشروع الديمقراطي في المغرب.

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع
باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *