أخنوش بين نهاية مبكرة ومناورة محسوبة: من يحكم السياسة في المغرب؟
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع
إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه للانتخابات التشريعية المقبلة ليس حدثًا عاديًا في مسار الحياة السياسية المغربية، بل هو لحظة كاشفة بامتياز. لحظة تفرض أكثر من قراءة، وتفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول طبيعة الحكم، وحدود الفعل السياسي، ومن يقرر فعلًا متى يبدأ السياسي ومتى ينتهي.
الملاحظة الأولى التي تفرض نفسها، هي أن المغرب لا يسمح عمليًا لرئيس حكومة بقضاء ولايتين متتاليتين كاملتين بسلطة فعلية. قد لا ينص الدستور صراحة على المنع، لكن العرف السياسي، أو ما يمكن تسميته بـ«القانون غير المكتوب»، يقول إن الاستمرار الطويل في الواجهة يستهلك صاحبه، ويجعله عبئًا بدل أن يكون أداة. وهنا، يبدو أن أخنوش انتهى سياسيًا قبل أن يبدأ فعليًا.
أما الملاحظة الثانية، فهي حضور «اليد الخفية» التي تدبر المشهد من الخلف. يد لا تظهر في التصريحات، لكنها حاضرة بقوة في النتائج. فهل كان إعلان عدم الترشح قرارًا ذاتيًا نابعًا من تقييم سياسي نقدي؟ أم أنه جزء من إعادة ترتيب أكبر، حيث يُطلب من بعض الوجوه المغادرة بهدوء بعد أداء المهمة؟
وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل جرب أخنوش فعلًا التدبير السياسي، أم أنه مارس فقط تدبيرًا تقنيًا بلبوس سياسي؟ التجربة الحكومية كشفت حدود رجل الأعمال حين يُدفع إلى منطق السياسة. فالفشل، حين يكون بنيويًا، لا يناقش ولا يبرر، بل يُسجل.
المغاربة، حتى وإن لم يخرجوا للتظاهر في العلن، بفعل قوانينهم وضغوط واقعهم، عبّروا بطرق أخرى عن السخط: في النقاش اليومي، في مواقع التواصل، وفي فقدان الثقة. فهل جاء أخنوش من أجل تمرير قوانين غير شعبية؟ هل جاء من أجل حماية مصالحه الخاصة؟ أم أنه جاء ليقضي مهمة محددة ثم يغادر؟
اللافت أن الرجل، على ما يبدو، أدرك أن المغاربة سيحاسبونه سياسيًا في الانتخابات، وأن الحزب الذي قاده سيدفع الثمن باهظًا. فهل إعلان عدم الترشح مناورة لتخفيف الخسائر؟ أم محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من صورة الحزب؟
الأكيد أن أخنوش لم ينجح في التحول إلى زعيم سياسي بالمعنى الكامل. ظل محكومًا بمنطق الأرقام لا بمنطق الرمزية، وبإدارة المصالح لا بإدارة الأمل. وفي السياسة، حين يغيب الأمل، يصبح الرحيل مسألة وقت فقط.
انتهت المهمة، أو هكذا يبدو. لكن السؤال الحقيقي يبقى معلقًا: هل انتهى أخنوش فعلًا، أم أن السياسة في المغرب لا تنتهي إلا لمن يُسمح له أن ينتهي؟

