آيات الحب الكبرى
الحب كالفصول، كالجنون والمجون.. ناذرا ما الناس يبوحون لبعضهم البعض بالحب، الذي يسكن بين الضلوع. يخجلون منه وينفرونه ولا يبوحون به. الحب ولد الكلب يسكن القلب. الحب ولد الحرام يسكن العظام.
الحب ماكر، يعذب أهله ويذلهم، لكن دوما يقسو عليهم بحنان مفترس.
كل الناس تذوقوا الحب، لكنهم جاحدون مثل الفقهاء، لا يقرون بنشوة الحب، وعذابات ليالي الحب، من شرفات البيوت والنوافذ العالية، والعيون التي تتسلق الجدران، وسخونة الأنفاس، لا لشيء سوى أن نارا ملتهبة تشتعل حمقا، وانتحارا من أجل نظرة.
في الحب يتساوى الناس، يختلفون ويمكرون. بعض الناس يعيشون الحب بالصمت، بعضهم ينتحر وآخرون يموتون غيضا من الحب.
قليل من الناس، يحتفلون بحبهم، ويزينونه بالذكريات وتبادل الورود والبسمات، وتشابك الأصابع بالساحات، والمنتزهات ثم يكبرون فيه مع الزمن. يحتفلون بأعياد ميلاده بالقبلات، وهدايا العطور الحمقى التي توقظ نفوس الأموات القدامى.
الذين يعرفون الحب، لا يكبرون ولا يشيخون ولا يهرمون ولا يشبعون ولا يجوعون ولا يسقطون ولا يمنعون التودد الطفولي بينهم.
الكافرون بالحب والجاحدون بنعم الحب، يموتون قبل الأوان ويذبلون بلا معنى، بلا ذكريات بلا عناوين، ويتناثرون كرماد الغابات المحترقة.
في البدء كان الحب، حالة من الاختباء، في حضن أم أصابها حر المخاض. وحالة من الشبع من حلمة توردت في فم رضيع، جاء إلى الحياة.
لما يكبر الحب، يتلمس نعمة الحياة، في رائحة الأزهار في القرنفل والياسمين وفي لغة الألوان والسفر إلى الحدائق والمروج الساحرة، تحت نشوة المساءات الطازجة بعبق الحياة.
كم من حب أتى في صفة القمر، في ضيائه المنير، يلذ معه السمر بلغة الطير.. هكذا يصنع الناس بيتهم المنتظر.
لما يصير الحب قضية. يصنع رجالا ونساء، يموتون في ساحات الشرف، يموتون بعزة على أناشيد المجد والحرية، فداء للوطن.
لما يصير الحب قضية، تلوح في الأفق البعيد قيم الإنسانية الأولى، على تقاسم الرغيف وحبات الزيتون وكؤوس الشاي الشهية.
الحب لا يعرفه أصحاب العيون الجاحظة، والمحتمون خلف نظارات الموضى السوداء، والجالسون في المقاهي التي تشبه قاعات الانتظار، والنمامون والهاربون من معارك النهار اليومية، والساقطون في اللؤم والمتاجرون في أعراض الناس والمحبون للمال والذين يأكلون السحت.
الحب حالة كبرى لإنسان عاش من أجل الآخرين، وأدرك أن النفس الأمارة بالسوء أحق بالموت، ثم أحيا النفس اللوامة. لكن قليل من الناس تمتع بالنفس المطمئنة، وفي نهاية المطاف تصالح مع نعمة الحب الكونية، ومات لحيا امتداده في الآخرين إلى ما لا نهاية.

