مشروع قانون التعليم المدرسي: بين رهان الدولة الاجتماعية ومنزلقات السوق

مشروع قانون التعليم المدرسي: بين رهان الدولة الاجتماعية ومنزلقات السوق

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع _ كاتب رأي

يأتي مشروع قانون التعليم المدرسي في ظرف وطني يتسم بتراكم اختلالات عميقة داخل المنظومة التربوية، وبخطاب سياسي يرفع شعار الدولة الاجتماعية ويعد بإنصاف المدرسة العمومية ورد الاعتبار لها، غير أن القراءة المتأنية لمقتضيات المشروع تكشف توتّرًا غير محسوم بين منطقين متباينين: منطق الحق الذي يؤسس لدور الدولة الضامن للعدالة الاجتماعية، ومنطق السوق الذي يميل إلى توسيع حضور الفاعل الخاص داخل مجال يفترض أنه سيادي.

فالتعليم ليس مجرد خدمة قابلة للتفويت أو قطاعًا استثماريًا كسائر القطاعات، بل هو حق دستوري وأداة مركزية لبناء المواطن وتعزيز الاندماج الاجتماعي. ومن ثمّ، فإن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن ينطلق من تثبيت أولوية المدرسة العمومية باعتبارها الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي ديمقراطي.

غير أن المشروع، في صيغته الحالية، يمنح التعليم الخصوصي موقعًا بنيويًا داخل المنظومة، لا مجرد دور تكميلي ظرفي. ووضع القطاعين، العمومي والخصوصي، ضمن الإطار نفسه دون تمييز واضح في الوظائف والمرجعيات، يفتح الباب أمام خلط مقلق بين منطق الخدمة العمومية ومنطق الربح، بما قد يفضي إلى إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل تقليصها.

الإشكال لا يكمن في وجود التعليم الخصوصي بحد ذاته، فهو نتاج طبيعي لاختلالات سابقة وتفاوتات مجالية، بل في حدود تدخل الدولة لضبطه ومنع تحوله إلى آلية للانتقاء الطبقي. فعندما يُترك هذا القطاع لمنطق العرض والطلب وحده، يصبح التعليم مجالًا للتمييز الاجتماعي بدل أن يكون فضاءً للإنصاف.

كما يثير المشروع تساؤلات حول مدى التزام الدولة بتمويل المدرسة العمومية وتأهيلها. فالإحالة المتكررة على الشراكات وتنويع مصادر التمويل قد تُفهم، في غياب ضمانات صريحة، كتمهيد لانسحاب تدريجي للدولة من أدوارها الاجتماعية تحت عناوين الحكامة والنجاعة.

ومن زاوية قضايا الشباب، تبدو الرهانات أكثر حساسية. فالشباب المغربي هو الأكثر تأثرًا بهشاشة المدرسة العمومية، وهو من يتحمل كلفة التفاوت في جودة التكوين وما يترتب عنه من تفاوت في فرص الشغل والاندماج. لذلك، فإن أي إصلاح لا يجعل مصلحة المتعلم، خاصة المنحدر من الفئات الهشة، في صلب أولوياته، يظل إصلاحًا ناقصًا أخلاقيًا قبل أن يكون تربويًا.

إن مشروع قانون التعليم المدرسي ينبغي أن يتجاوز كونه نصًا تنظيميًا تقنيًا، ليصبح تعاقدًا مجتمعيًا واضح المعالم: مدرسة عمومية قوية وجاذبة، تعليم خصوصي مضبوط بقواعد صارمة، ودولة تتحمل مسؤوليتها الكاملة في ضمان تعليم جيد ومنصف للجميع.
فالمدرسة التي نطمح إليها ليست مدرسة تُقاس بمنطق الأرقام فقط، بل تُبنى على قيم المساواة وتكافؤ الفرص، وتُدار برؤية سياسية واضحة تضع الاستثمار في الإنسان في صدارة الأولويات. دون حسم هذا الاختيار، سيبقى أي قانون مجرد معالجة سطحية لأزمة أعمق عنوانها غياب رؤية تربوية واضحة المعالم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *