مدارس الريادة بين طموح الإصلاح وتحديات التنزيل

مدارس الريادة بين طموح الإصلاح وتحديات التنزيل

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

يشكّل التعليم في كل التجارب الدولية الناجحة رافعة مركزية لبناء الدولة الحديثة وصناعة النخب وتجديد الاقتصاد. ولعل ما شهدته المنظومة التربوية في المغرب من تحولات خلال العقدين الأخيرين، من خلال المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وصدور القانون الإطار 51.17، وتنزيل مقتضيات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، يعكس وعياً رسمياً بأن إصلاح المدرسة ليس خياراً قطاعياً، بل رهاناً مجتمعياً وحضارياً.

في هذا السياق برز مشروع “مدارس الريادة” باعتباره تجربة إصلاحية تسعى إلى الارتقاء بجودة التعلمات داخل المدرسة العمومية، خصوصاً في التعليم الابتدائي، عبر التركيز على الكفايات الأساس، وتحسين الممارسات الصفية، وتطوير آليات التتبع والدعم.

غير أن أي إصلاح، مهما حسنت نواياه، يظل رهيناً بواقعيته في التشخيص ونجاعته في التنفيذ

تشخيص واقعي: بين أعطاب البنية وتحديات الثق

لا يمكن الحديث عن مدارس الريادة بمعزل عن السياق العام الذي أفرزها. فالمدرسة العمومية تعاني منذ سنوات من اختلالات بنيوية: اكتظاظ، تفاوت مجالي صارخ، ضعف في التحكم في التعلمات الأساس، وتراجع في الثقة المجتمعية. كما أن التقارير الوطنية والدولية ظلت تشير إلى فجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة.

لقد جاء مشروع مدارس الريادة كردّ عملي على هذا الوضع، عبر التركيز على النتائج القابلة للقياس، وتحسين الأداء داخل الفصل الدراسي، وإرساء ثقافة التقييم المستمر. وهو توجه يعكس انتقالاً من منطق الشعارات العامة إلى منطق النجاعة والفعالية.

لكن التشخيص الواقعي يفرض الإقرار بأن المدرسة ليست فضاءً معزولاً؛ فهي تتأثر بالبنية الاجتماعية، وبالهشاشة الاقتصادية، وبتمثلات الأسر، وبصورة المدرس في المخيال الجماعي. وبالتالي، فإن أي إصلاح لا يدمج هذه الأبعاد سيظل محدود الأثر.

انتقادات مشروعة: التخوف من النخبوية والتجزيء

من بين أبرز الانتقادات التي وُجهت لمدارس الريادة التخوف من تكريس نوع من “التمييز الإيجابي الانتقائي”، بحيث تتحول التجربة إلى نموذج محدود النطاق، دون أن يشمل أثرها المنظومة ككل. فالإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يخلق فجوات جديدة داخل المدرسة العمومية نفسها.

كما أن التركيز الكبير على المؤشرات الرقمية والنتائج السريعة قد يدفع – إن لم يُحسن تدبيره – إلى اختزال العملية التربوية في بعدها التقني، وإغفال بعدها القيمي والتكويني. فالتعليم ليس مجرد تحصيل معرفي، بل هو بناء للإنسان المواطن.

وتُطرح أيضاً إشكالية الضغط المتزايد على الأطر التربوية، في ظل تحولات متسارعة، دون توفير كافٍ للدعم النفسي والمهني، وهو ما قد يؤثر على الاستدامة الفعلية للمشروع.

تقييم أولي: بين الجرأة السياسية وإكراهات التنزيل

رغم هذه الملاحظات، لا يمكن إنكار أن مدارس الريادة تمثل محاولة جريئة لكسر حلقة الإصلاحات النظرية التي لم تُحدث التحول المنشود. فهي تقوم على منطق التجريب، والتقييم المرحلي، وإعادة الضبط وفق النتائج.

نجاح هذا النموذج رهين بثلاثة شروط أساسية:

التوسيع العادل: ضمان تعميم تدريجي يراعي العدالة المجالية.

الاستثمار في المدرس: تكوين مستمر حقيقي، وتحفيز مهني ومعنوي.

ربط الإصلاح بسوق الشغل والتحولات الرقمية: حتى لا يبقى التعليم منفصلاً عن حاجيات التنمية.

إن الإصلاح التربوي ليس فعلاً تقنياً، بل هو قرار سياسي بامتياز، يتطلب نفساً طويلاً واستمرارية تتجاوز منطق الحكومات المتعاقبة.

التعليم كرافد للتنمية: الدرس التاريخي

تُظهر التجارب المقارنة أن الدول التي راهنت بجدية على التعليم حققت قفزات نوعية في مسارها التنموي. فالتعليم ليس مجرد قطاع خدماتي، بل هو استثمار استراتيجي في الرأسمال البشري، وفي بناء المواطن المنتج، وفي ترسيخ قيم المواطنة والابتكار.

حين تصبح المدرسة فضاءً لإنتاج الكفايات، وتكريس قيم المسؤولية، وتنمية الحس النقدي، فإنها تتحول إلى رافد أساسي من روافد التنمية الشاملة. فالتنمية الاقتصادية تحتاج إلى عقول مبدعة، والتنمية السياسية تحتاج إلى مواطن واعٍ، والتنمية الاجتماعية تحتاج إلى ثقافة مشتركة.

ومن هذا المنطلق، فإن مدارس الريادة يمكن أن تشكل مختبراً لإعادة بناء الثقة في المدرسة العمومية، إذا ما اقترنت بإرادة سياسية صلبة، وبانخراط مجتمعي واسع، وبمقاربة تشاركية لا تقصي الفاعلين التربويين.

خاتمة: الإصلاح كمسار لا كمحطة

مدارس الريادة ليست عصاً سحرية، لكنها مؤشر على أن الدولة بدأت تدرك أن إصلاح التعليم لا يحتمل التأجيل. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إطلاق المشاريع، بل في ضمان استمراريتها وعدالتها ونجاعتها.

فالأمم لا تنهض بوفرة الموارد الطبيعية، بل بوفرة العقول المؤهلة. والتعليم، حين يُحسن تدبيره، يتحول من عبء على الميزانية إلى رافعة للتقدم، ومن قطاع اجتماعي إلى مشروع وطني جامع.

وبين الطموح والواقع، تبقى المسؤولية مشتركة: دولةً ومجتمعاً، أسرةً ومدرسةً، لأن مستقبل الشعوب يبدأ من القسم الدراسي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *