على هامش ذكرى عشرين فبراير: بين جيل الاحتجاج وجيل التحوّل الرقمي… من كان أقوى في امتحان اللحظة التاريخية؟

على هامش ذكرى عشرين فبراير: بين جيل الاحتجاج وجيل التحوّل الرقمي… من كان أقوى في امتحان اللحظة التاريخية؟
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

على هامش ذكرى عشرين فبراير:
بين جيل الاحتجاج وجيل التحوّل الرقمي… من كان أقوى في امتحان اللحظة التاريخية؟

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

تمرّ ذكرى العشرين من فبراير كل عام، فتوقظ في الذاكرة المغربية لحظة فارقة من لحظات التحوّل السياسي والاجتماعي. لحظة ارتبطت بحركة حركة 20 فبراير التي خرجت إلى الشارع في سياق إقليمي مشحون برياح الربيع العربي، مطالبة بإصلاحات دستورية عميقة، ومحاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع هامش الحريات والكرامة والعدالة الاجتماعية.

لم تكن مطالب ذلك الجيل آنذاك مجرد شعارات عابرة، بل كانت تعبيرًا عن وعي سياسي جماعي تشكّل في ظل انسداد الأفق الاجتماعي وارتفاع منسوب البطالة وتراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة. لقد كان جيل 20 فبراير جيلاً ميدانيًا بامتياز؛ آمن بقوة الشارع، وبالاحتجاج السلمي كوسيلة ضغط حضارية لفرض الإصلاح من الداخل.

في المقابل، يقف اليوم ما يُعرف بـ الجيل زد، جيل مختلف في الأدوات، وفي المرجعيات، وفي طرائق التعبير عن الموقف. جيل وُلد في قلب الثورة الرقمية، وتشكّل وعيه داخل الفضاء الافتراضي قبل الواقعي. إنه جيل المنصات، وصناعة المحتوى، والهاشتاغ، والتعبئة الرقمية العابرة للحدود.
إذا كانت مطالب 20 فبراير سياسية الطابع في جوهرها، فإن مطالب جيل زد تبدو أكثر تشعبًا: فرص الشغل في اقتصاد رقمي تنافسي، عدالة مجالية حقيقية، جودة التعليم، تمكين اقتصادي، اعتراف بالهويات الفردية، ومشاركة فعلية في صناعة القرار. هو جيل أقل صبرًا على البيروقراطية، وأكثر حساسية لقيم الشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص.

من حيث الفرص، استفاد جيل 20 فبراير من لحظة إقليمية استثنائية جعلت سقف المطالب مرتفعًا، وفتحت الباب أمام إصلاحات دستورية وسياسية مهمة. أما جيل زد، فتتوفر أمامه فرص مختلفة: اقتصاد المعرفة، ريادة الأعمال الرقمية، العمل الحر عن بُعد، والاندماج في شبكات عالمية من التأثير والتعلّم.

لكن الإمكانات وحدها لا تكفي. فجيل 20 فبراير امتلك قوة الحشد الميداني وروح التضامن الجماعي، بينما يمتلك جيل زد قوة الانتشار الرقمي وسرعة التأثير وصناعة الرأي العام الافتراضي. الأول كان يعتمد على التنظيم الأفقي والحضور الفيزيائي في الساحات؛ والثاني يعتمد على الخوارزميات، والمنصات، والقدرة على تحويل قضية محلية إلى قضية رأي عام في دقائق معدودة.

أما التمكين، فيختلف باختلاف السياقات. تمكين جيل 20 فبراير تمثل في فتح ورش الإصلاح الدستوري، وتوسيع النقاش العمومي، وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع. في حين أن تمكين جيل زد يمر عبر إصلاح منظومة التعليم، ودعم المقاولات الناشئة، وتحديث الإدارة، وتوسيع فضاءات المشاركة الشبابية في السياسات العمومية.
السؤال الجوهري: أي الجيلين كان أقوى؟
القوة هنا ليست فقط في القدرة على الصراخ في الشارع، ولا في عدد المتابعين على المنصات. القوة تقاس بمدى التأثير المستدام في البنية العميقة للمجتمع. جيل 20 فبراير كان قويًا في لحظته التاريخية لأنه كسر حاجز الخوف، وفرض إيقاع الإصلاح في سياق إقليمي مضطرب. أما جيل زد، فقوته تكمن في قدرته على إعادة تعريف مفاهيم التأثير، والقيادة، والعمل العام خارج القوالب التقليدية.

ورغم اختلاف السياقات إقليميًا – بين موجة احتجاجات عارمة قبل عقد ونصف، وتحولات جيوسياسية واقتصادية اليوم – فإن القاسم المشترك بين الجيلين هو البحث عن الكرامة والعدالة والفرص. غير أن أدوات البحث تغيرت، وأولويات اللحظة تبدلت.
جيل 20 فبراير كان ابن مرحلة سياسية بامتياز؛ جيل زد هو ابن مرحلة اقتصادية رقمية بامتياز. الأول طالب بإصلاح القواعد؛ الثاني يطالب بتحسين النتائج. الأول ركّز على هندسة النظام السياسي؛ الثاني يركّز على جودة العيش داخل النظام.

غير أن المفارقة تكمن في أن جيل زد، رغم امتلاكه أدوات تقنية غير مسبوقة، يعاني أحيانًا من هشاشة في الفعل الجماعي المنظم. فالفعل الرقمي سريع الاشتعال، لكنه سريع الخفوت أيضًا. بينما كان جيل 20 فبراير أكثر تماسكا في الفضاء الواقعي، وإن كان أقل امتدادًا زمنيًا.

إقليميًا، تغيّر المشهد كذلك. فدروس العقد الماضي جعلت المجتمعات أكثر حذرًا، والدول أكثر يقظة، والسياقات الدولية أكثر تعقيدًا. لذلك فإن قوة أي جيل اليوم لا تُقاس فقط بجرأة المطالب، بل بقدرته على تحويل الطموح إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وإلى مشاريع تنموية مستدامة.

إن التحدي الحقيقي ليس في المقارنة بين جيلين، بل في بناء جسر بينهما. جسر يستفيد من خبرة الاحتجاج السلمي وروح الإصلاح التي حملها جيل 20 فبراير، ومن دينامية الابتكار والمرونة الرقمية التي يجسدها جيل زد. فالأوطان لا تُبنى بالقطيعة بين الأجيال، بل بتراكم التجارب.
وعلى هامش هذه الذكرى، ينبغي أن نتساءل: هل استطعنا تحويل لحظة الاحتجاج إلى ثقافة مؤسساتية دائمة؟ وهل يستطيع جيل زد أن يحوّل طاقته الرقمية إلى قوة اقتراحية منظمة داخل الفضاء العام؟
ربما لا يكون السؤال: من كان أقوى؟
بل: من سيكون أقدر على صناعة المستقبل؟
إن قوة الأجيال لا تُقاس فقط بما تواجهه من سياقات صعبة، بل بقدرتها على تحويل الصعوبات إلى فرص. وجيل الأمس وجيل اليوم، كلاهما وُضع أمام امتحان التاريخ. الأول اختار الشارع وسيلةً للإصلاح؛ والثاني يختار المنصة الرقمية أداةً للتأثير.

وفي الحصيلة، تبقى الرسالة واحدة: لا تنمية دون رؤية، ولا رؤية دون مشاركة شبابية واعية ومسؤولة. فبين عشرين فبراير وجيل زد مسافة زمنية قصيرة، لكنها مسافة مليئة بالدروس.
ولعل أقوى الأجيال ليس ذاك الذي رفع الصوت أعلى، ولا الذي امتلك التكنولوجيا الأحدث، بل ذاك الذي نجح في تحويل المطالب إلى منجزات، والطموحات إلى مؤسسات، والحلم إلى واقع.
تلك هي معادلة القوة الحقيقية في زمن التحوّلات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *