طلوع يكتب : خودوا المناصب، خودوا المكاسب… بس خلّوا لي سطات

طلوع يكتب : خودوا المناصب، خودوا المكاسب… بس خلّوا لي سطات

ليست المدينة بناياتٍ متراصّة ولا لافتاتٍ إدارية، وليست شوارع تُرسم على الورق في مخططاتٍ جميلة. المدينة روحٌ تسكن أهلها، وأملٌ يكبر مع أطفالها، وكرامةٌ يشعر بها كل من يمشي في طرقاتها. فماذا بقي من هذا كله في سطات؟

اليوم، يكفي أن تجوب بعض أحياء المدينة لتدرك حجم المعاناة. آلاف الحفر تنتشر في الطرقات، حتى صارت جزءًا من المشهد اليومي. سياراتٌ تتعطل، دراجاتٌ تنقلب، ومواطنون يسيرون بحذرٍ دائم وكأنهم في اختبارٍ لا ينتهي. الطريق التي يفترض أن تسهّل الحياة أصبحت عبئًا إضافيًا عليها.
أما الإنارة العمومية، ففي كثير من الأماكن تظلّ خافتة أو غائبة تمامًا، فتتحول الشوارع بعد الغروب إلى مساحاتٍ معتمة، يختلط فيها الخوف بالإهمال. أحياء كاملة تشعر وكأنها خارج حسابات الأولويات، وكأنها لا تنتمي إلى مدينة يُفترض أنها تسعى إلى التقدم.
لا مرافق… لا رؤية واضحة… لا تنمية حقيقية
أين هي الفضاءات الخضراء التي تمنح العائلات متنفسًا؟
أين هي المرافق الرياضية القريبة التي تحتضن طاقات الشباب؟
أين هي دور الثقافة والمكتبات والمسارح التي تصنع الوعي والجمال؟
المدينة التي تفتقر إلى مرافق حيوية، وتغيب عنها المشاريع الكبرى، وتُدار بلا رؤية استراتيجية واضحة، يصعب أن تُسمّى مدينة بمفهومها الحقيقي. التنمية ليست خطابات موسمية، ولا وعودًا انتخابية عابرة. التنمية قرارٌ يومي، ومتابعةٌ دائمة، وإحساسٌ عميق بالمسؤولية تجاه الناس.
شباب بين التهميش والانتظار
شباب سطات ليس أقل طموحًا من غيره، لكنه يحتاج إلى فضاءات تحتضنه. يحتاج إلى ملاعب مجهزة، ومراكز ثقافية، وبرامج تكوينية، وفرص شغل حقيقية. حين تغيب هذه العناصر، تتحول المدينة إلى محطة انتظار طويلة، يفكر فيها الشباب في الرحيل بدل التفكير في البناء.
مدينة بلا ثقافة تذبل، ومدينة بلا رياضة تُرهق طاقاتها، ومدينة بلا مسرح أو فن تفقد صوتها وروحها. الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة لبناء إنسان متوازن ومنفتح.
سؤال المسؤولية
من ينقذ سطات؟
هل المسؤولية تقع فقط على عاتق المنتخبين والمسؤولين المحليين؟ أم أن المواطن أيضًا مطالب بأن يراقب، ويُطالب، ويُحاسب، ويرفض أن يكون متفرجًا؟
المناصب تزول، والمكاسب تتغير، لكن المدينة تبقى.
خودوا المناصب، خودوا المكاسب…
لكن اتركوا لنا مدينة صالحة للعيش.
نريد شوارع آمنة لا نخاف فيها على أطفالنا.
نريد إنارة تحمي الأحياء من العتمة.
نريد مرافق حقيقية تخدم الساكنة.
نريد تنمية تُرى في الواقع لا في التقارير.
سطات لا تطلب المستحيل، ولا تنافس المدن الكبرى في أحلامٍ خيالية. كل ما تطلبه هو حقها الطبيعي في الاهتمام، والتخطيط، والعدل في توزيع المشاريع، واحترام كرامة سكانها.
قد يبدو الكلام قاسيًا، لكنه نابع من حب. لأن من يحب مدينته لا يصمت عن آلامها.
فهل يأتي يوم نكتب فيه عن سطات باعتبارها نموذجًا في النهوض بعد التعثر؟
أم سيبقى السؤال معلقًا: من ينقذ سطات؟

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع_ باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *