حين تُفتح الحدود… يسقط وهم القطيعة

حين تُفتح الحدود… يسقط وهم القطيعة

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

في السياسة لا توجد عداوات أبدية، بل مصالح دائمة. وما يجري اليوم في محيط العلاقات المغربية الجزائرية ليس مجرد همس دبلوماسي عابر، بل مؤشرات على أن مرحلة القطيعة قد تكون بلغت سقفها، وأن هناك إرادة دولية — تقودها الولايات المتحدة الأمريكية — لإعادة ترتيب البيت المغاربي على أسس جديدة.
الرسالة واضحة: استمرار التوتر بين الرباط والجزائر لم يعد يخدم توازنات المنطقة، ولا المصالح الغربية في شمال إفريقيا، ولا حتى استقرار الداخل في البلدين.
أمريكا… هندسة التوازن من جديد
واشنطن، التي اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه سنة 2020، لم تكن تتحرك بعفوية، بل ضمن تصور استراتيجي أشمل لإعادة صياغة معادلة الاستقرار الإقليمي. واليوم، تبدو المعادلة أكثر وضوحاً:
صحراء في مسار الحسم السياسي، وحدود مغاربية في طريقها إلى إعادة الفتح، وتخفيف تدريجي للتوتر بين أكبر قوتين في المنطقة.
إذا صحّت هذه المؤشرات، فنحن أمام تحول عميق لا مجرد مبادرة ظرفية.
الصحراء… من ورقة ضغط إلى ملف شبه محسوم
لأول مرة منذ عقود، يتحول النقاش الدولي حول الصحراء من سؤال “تقرير المصير” إلى سؤال “كيفية تنزيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”. هذا التحول لم يأتِ صدفة، بل نتيجة دينامية دبلوماسية مغربية نشطة، ودعم متزايد من قوى دولية وازنة.
في المقابل، تبدو الجزائر اليوم أمام معادلة معقدة:
الاستمرار في دعم أطروحة استنزفت الكثير من الرصيد السياسي والاقتصادي، أم إعادة تموضع يراعي التحولات الدولية ويحفظ ماء الوجه إقليمياً؟
المشهد يوحي بأن لغة البراغماتية بدأت تزاحم لغة الشعارات.
الحدود المغلقة… عبء سياسي واقتصادي
استمرار إغلاق الحدود لم يعد ورقة ضغط فعالة، بل تحول إلى عبء. اقتصادياً، ضاعت فرص تكامل بمليارات الدولارات. اجتماعياً، تضررت آلاف الأسر. سياسياً، بدا الاتحاد المغاربي مشروعاً مؤجلاً بلا أفق.
فتح الحدود — إن حدث — لن يكون تنازلاً من طرف لآخر، بل اعترافاً ضمنياً بأن منطق القطيعة استُهلك حتى آخر مبرراته.
الواقعية تنتصر
الجزائر، مثل المغرب، تواجه تحديات داخلية تتطلب توجيه الطاقات نحو التنمية والاستقرار الاجتماعي بدل استدامة صراعات إقليمية مفتوحة. والمغرب، الذي عزز حضوره الإفريقي والدولي، يتحرك بثقة الدولة التي تعتبر ملف صحرائها في مسار تثبيت نهائي.
إذا التقت الإرادات، فقد نشهد مرحلة جديدة عنوانها:
لا غالب ولا مغلوب… بل رابح واحد هو الاستقرار المغاربي.
أحلام ليست مستحيلة
هل نحن أمام لحظة مفصلية؟
هل تستعد المنطقة لطي صفحة عقود من التوتر البارد؟
قد يكون الحديث مبكراً، لكن السياسة تُقرأ بين السطور قبل أن تُعلن في البيانات الرسمية. وما يُطبخ في الغرف المغلقة غالباً ما يظهر فجأة في صورة مصافحة أمام عدسات الكاميرات.
حين تُفتح الحدود، لن يكون ذلك مجرد عبور جغرافي، بل إعلاناً بأن الواقعية السياسية انتصرت على منطق الاستنزاف.
وربما آن الأوان أن نعترف:
أمن المغرب والجزائر ليس خياراً منفصلاً، بل معادلة مشتركة.
الأحلام الكبرى تبدأ بفكرة…
ثم تتحول إلى قرار.
فهل اقترب القرار؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *